تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحة 291

مساهمون:

ص٢٩١
عيسى صلوات الله عليه ، فخاصموك فيه بالباطل ، فقل : انقدت لله وحده بلساني وقلبي وجميع جوارحي ، وإنما خص جل ذكره بأمره بأن يقول : أسلمت وجهي لله ، لان الوجه أكرم جوارح ابن آدم عليه ، وفيه بهاؤه وتعظيمه فإذا خضع وجهه لشئ ، فقد خضع له الذي هو دونه في الكرامة عليه من جوارح بدنه . وأما قوله : * ( ومن اتبعني ) * فإنه يعني : وأسلم من اتبعني أيضا وجهه لله معي ، ومن معطوف بها على التاء في أسلمت . كما : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن محمد بن جعفر بن الزبير : * ( فإن حاجوك ) * أي بما يأتونك به من الباطل من قولهم : خلقنا ، وفعلنا ، وجعلنا ، وأمرنا ، فإنما هي شبه باطلة قد عرفوا ما فيها من الحق ، فقل : أسلمت وجهي لله ومن اتبعني . القول في تأويل قوله تعالى : * ( وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم فإن أسلموا فقد اهتدوا ) * . يعني بذلك جل ثناؤه : وقل يا محمد للذين أوتوا الكتاب من اليهود والنصارى ، والأميين الذين لا كتاب لهم من مشركي العرب أأسلمتم ؟ يقول : قل لهم : هل أفردتم التوحيد ، وأخلصتم العبادة والألوهة لرب العالمين دون سائر الأنداد والاشراك التي تشركونها معه في عبادتكم إياهم ، وإقراركم بربوبيتهم ، وأنتم تعلمون أنه لا رب غيره ، ولا إله سواه ، فإن أسلموا يقول : فإن انقادوا لافراد الوحدانية لله ، وإخلاص العبادة والألوهة له ، فقد اهتدوا ، يعني : فقد أصابوا سبيل الحق ، وسلكوا محجة الرشد . فإن قال قائل : وكيف قيل : فإن أسلموا فقد اهتدوا عقيب الاستفهام ، وهل يجوز على هذا في الكلام أن يقال لرجل : هل تقوم ؟ فإن تقم أكرمك ؟ . قيل : ذلك جائز إذا كان الكلام مرادا به الامر ، وإن خرج مخرج الاستفهام ، كما قال جل ثناؤه : * ( ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون ) * يعني انتهوا ، وكما قال جل ثناؤه مخبرا عن الحواريين أنهم قالوا لعيسى : * ( يا عيسى ابن مريم هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء ) * . وإنما هو مسألة ، كما يقول الرجل : هل أنت كاف عنا ؟ بمعنى : اكفف عنا ، وكما يقول الرجل للرجل : أين أين ؟ بمعنى ؟ أقم فلا تبرح ، ولذلك جوزي في الاستفهام