قول القائل في الكلام : قلت للقوم إنكم مغلوبون ، وقلت لهم إنهم مغلوبون . وقد ذكر أن
في قراءة عبد الله : قل للذين كفروا إن تنتهوا يغفر لكم وهي في قراءتنا : * ( إن ينتهوا يغفر
لهم ) * . وقرأت ذلك جماعة من قراء أهل الكوفة : سيغلبون ويحشرون على معنى :
قل لليهود سيغلب مشركو العرب ويحشرون إلى جهنم . ومن قرأ ذلك كذلك على هذا
التأويل لم يجز في قراءته غير الياء .
والذي نختار من القراءة في ذلك قراءة من قرأه بالتاء ، بمعنى : قل يا محمد للذين
كفروا من يهود بني إسرائيل الذين يتبعون ما تشابه من آي الكتاب الذي أنزلته إليك ابتغاء
الفتنة وابتغاء تأويله ، ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد .
وإنما اخترنا قراءة ذلك كذلك على قراءته بالياء لدلالة قوله : * ( قد كان لكم آية في
فئتين ) * على أنهم بقوله ستغلبون مخاطبون خطابهم بقوله : قد كان لكم ، فكان إلحاق
الخطاب بمثله من الخطاب أولى من الخطاب بخلافه من الخبر عن غائب . وأخرى أن :
أبا كريب حدثنا ، قال : ثنا يونس بن بكير ، عن محمد بن إسحاق ، قال : ثني
محمد بن أبي محمد مولى زيد ، عن سعيد بن جبير أو عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : لما
أصاب رسول الله ( ص ) قريشا يوم بدر فقدم المدينة ، جمع يهود في سوق بني قينقاع فقال :
يا معشر يهود ، أسلموا قبل أن يصيبكم مثل أصاب قريشا ، فقالوا : يا محمد لا تغرنك
نفسك إنك قتلت نفرا من قريش كانوا أغمارا لا يعرفون القتال ، إنك والله لو قاتلتنا
لعرفت أنا نحن الناس ، وأنك لم تأت مثلنا ! فأنزل الله عز وجل في ذلك من قولهم : * ( قل
للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد ) * إلى قوله : * ( لأولي الأبصار ) * .
حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، قال : ثنا محمد بن إسحاق ، عن
عاصم بن عمر بن قتادة ، قال : لما أصاب الله قريشا يوم بدر ، جمع رسول الله ( ص ) يهود في
سوق بني قينقاع حين قدم المدينة ، ثم ذكر نحو حديث أبي كريب ، عن يونس .
حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، قال : كان من أمر بني
قينقاع أن رسول الله ( ص ) جمعهم بسوق بني قينقاع ، ثم قال : يا معشر اليهود احذروا
من الله مثل ما نزل بقريش من النقمة ، وأسلموا فإنكم قد عرفتم أني نبي مرسل تجدون ذلك
جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحة 261
مساهمون: محمد بن جرير الطبري
ص٢٦١