تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحة 202

مساهمون:

ص٢٠٢
الدنيا ، يخاف ويحزن ويشتد همه ، لا يناله من ذلك شئ ، كما هم بالسوء ولم يعمل منه شيئا . حدثنا الربيع ، قال : ثنا أسد بن موسى ، قال : ثنا حماد بن سلمة ، عن علي بن زيد ، عن أمه أنها سألت عائشة عن هذه الآية : * ( إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله ) * ، * ( ومن يعمل سوأ يجز به ) * فقالت : ما سألني عنها أحد مذ سألت رسول الله ( ص ) ، فقال : يا عائشة ، هذه متابعة الله العبد بما يصيبه من الحمى والنكبة والشوكة ، حتى البضاعة يضعها في كمه فيفقدها فيفزع لها ، فيجدها في ضبنه حتى إن المؤمن ليخرج من ذنوبه كما يخرج التبر الأحمر من الكير . وأولى الأقوال التي ذكرناها بتأويل الآية قول من قال : إنها محكمة وليست بمنسوخة ، وذلك أن النسخ لا يكون في حكم إلا ينفيه بآخر له ناف من كل وجوهه ، وليس في قوله جل وعز : * ( لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ) * نفي الحكم الذي أعلم عباده بقوله : * ( أو تخفوه يحاسبكم به الله ) * لان المحاسبة ليست بموجبة عقوبة ، ولا مؤاخذة بما حوسب عليه العبد من ذنوبه ، وقد أخبر الله عز وجل عن المجرمين أنهم حين تعرض عليهم كتب أعمالهم يوم القيامة ، يقولون : * ( يا ويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ) * فأخبر أن كتبهم محصية عليهم صغائر أعمالهم وكبائرها ، فلم تكن الكتب وإن أحصت صغائر الذنوب وكبائرها بموجب إحصاؤها على أهل الايمان بالله ورسوله وأهل الطاعة له ، أن يكونوا بكل ما أحصته الكتب من الذنوب معاقبين ، لان الله عز وجل وعدهم العفو عن الصغائر باجتنابهم الكبائر ، فقال في تنزيله : * ( إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما ) * فدل أن محاسبة الله عباده المؤمنين بما هو محاسبهم به من الأمور التي أخفتها أنفسهم غير موجبة