تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحة 204

مساهمون:

ص٢٠٤
فإن قال قائل : فإن قوله : * ( لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ) * ينبئ عن أن جميع الخلق غير مؤاخذين إلا بما كسبته أنفسهم من ذنب ، ولا مثابين إلا بما كسبته من خير . قيل : إن ذلك كذلك ، وغير مؤاخذ العبد بشئ من ذلك إلا بفعل ما نهي عن فعله ، أو ترك ما أمر بفعله . فإن قال : فإذا كان ذلك كذلك ، فما معنى وعيد الله عز وجل إيانا على ما أخفته أنفسنا بقوله : * ( ويعذب من يشاء ) * إن كان * ( لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ) * وما أضمرته قلوبنا وأخفته أنفسنا ، من هم بذنب ، أو إرادة لمعصية ، لم تكتسبه جوارحنا ؟ قيل له : إن الله جل ثناؤه قد وعد المؤمنين أن يعفو لهم عما هو أعظم مما هم به أحدهم من المعاصي فلم يفعله ، وهو ما ذكرنا من وعده إياهم العفو عن صغائر ذنوبهم إذا هم اجتنبوا كبائرها ، وإنما الوعيد من الله عز وجل بقوله : * ( ويعذب من يشاء ) * على ما أخفته نفوس الذين كانت أنفسهم تخفي الشك في الله ، والمرية في وحدانيته ، أو في نبوة نبيه ( ص ) ، وما جاء به من عند الله ، أو في المعاد والبعث من المنافقين ، على نحو ما قال ابن عباس ومجاهد ، ومن قال بمثل قولهما أن تأويل قوله : * ( أو تخفوه يحاسبكم به الله ) * على الشك واليقين . غير أنا نقول إن المتوعد بقوله : * ( ويعذب من يشاء ) * هو من كان إخفاء نفسه ما تخفيه الشك والمرية في الله ، وفيما يكون الشك فيه بالله كفرا ، والموعود الغفران بقوله : * ( فيغفر لمن يشاء ) * هو الذي أخفى ، وما يخفيه الهمة بالتقدم على بعض ما نهاه الله عنه من الأمور التي كان جائزا ابتداء تحليله وإباحته ، فحرمه على خلقه جل ثناؤه ، أو على ترك بعض ما أمر الله بفعله مما كان جائزا ابتداء إباحة تركه ، فأوجب فعله على خلقه . فإن الذي يهم بذلك من المؤمنين إذا هو لم يصحح همه بما يهم به ، ويحقق ما أخفته نفسه من ذلك بالتقدم عليه لم يكن مأخوذا ، كما روي عن رسول الله ( ص ) أنه قال : من هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة ، ومن هم بسيئة فلم يعملها لم تكتب عليه ، فهذا الذي وصفنا ، هو الذي يحاسب الله به مؤمني عباده ثم لا يعاقبهم عليه . فأما من كان ما أخفته نفسه شكا في الله وارتيابا في نبوة أنبيائه ، فذلك هو الهالك المخلد في النار ، الذي أوعده جل ثناؤه العذاب الأليم بقوله : * ( ويعذب من يشاء ) * .