تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحة 199

مساهمون:

ص١٩٩
لم يعمل أخذنا به ؟ والله ما نملك الوسوسة ! فنسخها الله بهذه الآية التي بعدها بقوله : * ( لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ) * فكان حديث النفس مما لم تطيقوا . حدثت عن عمار ، قال : ثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن قتادة أن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت : نسختها قوله : * ( لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ) * . وقال آخرون ممن قال معنى ذلك : الاعلام من الله عز وجل عباده أنه مؤاخذهم بما كسبته أيديهم وعملته جوارحهم ، وبما حدثتهم به أنفسهم مما لم يعملوه . هذه الآية محكمة غير منسوخة ، والله عز وجل محاسب خلقه على ما عملوا من عمل وعلى ما لم يعملوه مما أصروه في أنفسهم ونووه وأرادوه ، فيغفره للمؤمنين ، ويؤاخذ به أهل الكفر والنفاق . ذكر من قال ذلك : حدثني المثنى ، قال : ثنا عبد الله بن صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس قوله : * ( إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله ) * فإنها لم تنسخ ، ولكن الله عز وجل إذا جمع الخلائق يوم القيامة ، يقول الله عز وجل : إني أخبركم بما أخفيتم في أنفسكم مما لم تطلع عليه ملائكتي ، فأما المؤمنون فيخبرهم ويغفر لهم ما حدثوا به أنفسهم ، وهو قوله : * ( يحاسبكم به الله ) * يقول : يخبركم . وأما أهل الشك والريب ، فيخبرهم بما أخفوا من التكذيب ، وهو قوله : * ( فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء ) * وهو قوله : * ( ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم ) * من الشك والنفاق . حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس : * ( وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله ) * فذلك سر عملكم وعلانيته ، يحاسبكم به الله ، فليس من عبد مؤمن يسر في نفسه خيرا ليعمل به ، فإن عمل به كتبت له به عشر حسنات ، وإن هو لم يقدر له أن يعمل به كتبت له به حسنة من أجل أنه مؤمن ، والله يرضى سر المؤمنين وعلانيتهم ، وإن كان سوأ حدث به نفسه اطلع الله عليه وأخبره به يوم تبلى السرائر ، وإن هو لم يعمل به لم يؤاخذه الله به حتى يعمل به ، فإن هو عمل به تجاوز الله عنه ، كما قال : * ( أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ونتجاوز عن سيئاتهم ) * .