تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحة 129

مساهمون:

ص١٢٩
وجزم الحرف ، يعني : وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء نكفر عنكم من سيئاتكم ، بمعنى : مجازاة الله عز وجل مخفي الصدقة بتكفير بعض سيئاته بصدقته التي أخفاها . وأولى القراءات في ذلك عندنا بالصواب قراءة من قرأ : ونكفر عنكم بالنون وجزم الحرف ، على معنى الخبر من الله عن نفسه أنه يجازي المخفي صدقته من التطوع ابتغاء وجهه من صدقته بتكفير سيئاته . وإذا قرئ كذلك فهو مجزوم على موضع الفاء في قوله : فهو خير لكم لان الفاء هنالك حلت محل جواب الجزاء . فإن قال لنا قائل : وكيف اخترت الجزم على النسق على موضع الفاء ، وتركت اختيار نسقه على ما بعد الفاء ، وقد علمت أن الأفصح من الكلام في النسق على جواب الجزاء الرفع ، وإنما الجزم تجويز ؟ قيل : اخترنا ذلك ليؤذن بجزمه أن التكفير ، أعني تكفير الله من سيئات المصدق لا محالة داخل فيما وعد الله المصدق أن يجازيه به على صدقته ، لان ذلك إذا جزم مؤذن بما قلنا لا محالة ، ولو رفع كان قد يحتمل أن يكون داخلا فيما وعده الله أن يجازيه به ، وأن يكون خبرا مستأنفا أنه يكفر من سيئات عباده المؤمنين على غير المجازاة لهم بذلك على صدقاتهم ، لان ما بعد الفاء في جواب الجزاء استئناف ، فالمعطوف على الخبر المستأنف في حكم المعطوف عليه في أنه غير داخل في الجزاء ، ولذلك من العلة اخترنا جزم نكفر عطفا به على موضع الفاء من قوله : فهو خير لكم وقراءته بالنون . فإن قال قائل : وما وجه دخول من في قوله : ونكفر عنكم من سيئاتكم ؟ قيل : وجه دخولها في ذلك بمعنى : ونكفر عنكم من سيئاتكم ما نشاء تكفيره منها دون جميعها ، ليكون العباد على وجل من الله فلا يتكلوا على وعده ما وعد على الصدقات التي يخفيها المتصدق فيجتزأوا على حدوده ومعاصيه . وقال بعض نحويي البصرة : معنى من الاسقاط من هذا الموضع ، ويتأول معنى ذلك : ونكفر عنكم سيئاتكم . القول في تأويل قوله تعالى : والله بما تعملون خبير . يعني بذلك جل ثناؤه : والله بما تعملون في صدقاتكم من إخفائها وإعلان وإسرار بها وإجهار ، وفي غير ذلك من أعمالكم . خبير يعني بذلك ذو خبرة وعلم ، لا يخفى عليه