وأما ما قاله قتادة من أنه عنى به بعض الناس ، فقول ظاهر التنزيل بخلافه ، ولا برهان
على حقيقته من خبر ولا نظر . فإن كان ظن أن المعني به المؤمنون من أجل أن الكفار لا
يلعنون أنفسهم ولا أولياءهم ، فإن الله تعالى ذكره قد أخبر أنهم يلعنونهم في الآخرة ،
ومعلوم منهم أنهم يلعنون الظلمة ، وداخل في الظلمة كل كافر بظلمه نفسه ، وجحوده نعمة
ربه ، ومخالفته أمره . القول في تأويل قوله تعالى :
* ( خالدين فيها لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون ) *
إن قال لنا قائل : ما الذي نصب خالدين فيها ؟ قيل : نصب على الحال من الهاء
والميم اللتين في عليهم . وذلك أن معنى قوله : أولئك عليهم لعنة الله : أولئك يلعنهم
الله والملائكة والناس أجمعون خالدين فيها . ولذلك قرأ ذلك : أولئك عليهم لعنة الله
والملائكة والناس أجمعون من قرأه كذلك توجيها منه إلى المعنى الذي وصفت . وذلك
وإن كان جائزا في العربية ، فغير جائزة القراءة به لأنه خلاف لمصاحف المسلمين وما جاء به
المسلمون من القراءة مستفيضا فيها ، فغير جائز الاعتراض بالشاذ من القول على ما قد ثبتت
حجته بالنقل المستفيض . وأما الهاء والألف اللتان في قوله : فيها فإنهما عائدتان على
اللعنة ، والمراد بالكلام ما صار إليه الكافر باللعنة من الله ومن ملائكته ومن الناس والذي
صار إليه بها نار جهنم . وأجرى الكلام على اللعنة والمراد بها ما صار إليه الكافر كما قد بينا
من نظائر ذلك فيما مضى قبل . كما :
1985 - حدثت عن عمار ، قال : ثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع ، عن أبي
العالية : خالدين فيها يقول : خالدين في جهنم في اللعنة .
وأما قوله : لا يخفف عنهم العذاب فإنه خبر من الله تعالى ذكره عن دوام العذاب
أبدا من غير توقيت ولا تخفيف ، كما قال تعالى ذكره : والذين كفروا لهم نار جهنم لا
يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها وكما قال : كلما نضجت جلودهم
بدلناهم جلودا غيرها .
جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحة 81
مساهمون: محمد بن جرير الطبري
ص٨١