تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحة 78

مساهمون:

ص٧٨
كتاب الله موجود بخلاف أهل التأويل ، وهو ما وصفنا . فإن كان جائزا أن تكون البهائم وسائر خلق الله تلعن الذين يكتمون ما أنزل الله في كتابه من صفة محمد ( ص ) ونعته ونبوته ، بعد علمهم به ، وتلعن معهم جميع الظلمة ، فغير جائز قطع الشهادة في أن الله عنى باللاعنين البهائم والهوام ودبيب الأرض ، إلا بخبر للعذر قاطع ، ولا خبر بذلك وظاهر كتاب الله الذي ذكرناه دال على خلافه . القول في تأويل قوله تعالى : * ( إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا فأولئك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم ) * يعني تعالى ذكره بذلك أن الله واللاعنين يلعنون الكاتمين الناس ما علموا من أمر نبوة محمد ( ص ) وصفته ونعته في الكتاب الذي أنزله الله وبينه للناس ، إلا من أناب من كتمانه ذلك منهم وراجع التوبة بالايمان بمحمد ( ص ) ، والاقرار به وبنبوته ، وتصديقه فيما جاء به من عند الله ، وبيان ما أنزل الله في كتبه التي أنزل إلى أنبيائه من الامر باتباعه ، وأصلح حال نفسه بالتقرب إلى الله من صالح الأعمال بما يرضيه عنه ، وبين الذي علم من وحي الله الذي أنزله إلى أنبيائه وعهد إليهم في كتبه فلم يكتمه وأظهره فلم يخفه . فأولئك ، يعني هؤلاء الذين فعلوا هذا الذي وصفت منهم ، هم الذين أتوب عليهم ، فأجعلهم من أهل الإياب إلى طاعتي والإنابة إلى مرضاتي . ثم قال تعالى ذكره : وأنا التواب الرحيم يقول : وأنا الذي أرجع بقلوب عبيدي المنصرفة عني إلي ، والرادها بعد إدبارها عن طاعتي إلى طلب محبتي ، والرحيم بالمقبلين بعد إقبالهم إلي أتغمدهم مني بعفو وأصفح عن عظيم ما كانوا اجترموا فيما بيني وبينهم بفضل رحمتي لهم . فإن قال قائل : وكيف يتاب على من تاب ؟ وما وجه قوله : إلا الذين تابوا فأولئك أتوب عليهم وهل يكون تائب إلا وهو متوب عليه أو متوب عليه إلا وهو تائب ؟ قيل : ذلك مما لا يكون أحدهما إلا والآخر معه ، فسواء قيل : إلا الذين تيب عليهم فتابوا ، أو قيل : إلا الذين تابوا فإني أتوب عليهم وقد بينا وجه ذلك فيما جاء من الكلام هذا المجئ في نظيره فيما مضى من كتابنا هذا ، فكرهنا إعادته في هذا الموضع . وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : 1979 - حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة في قوله :
جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحة 78 | محمد بن جرير الطبري / الشيخ خليل الميس / صدقي جميل العطار