تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحة 463

مساهمون:

ص٤٦٣
وقد قال بعضهم : إن معنى قوله فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق أن أهل الكتب الأول اختلفوا ، فكفر بعضهم بكتاب بعض ، وهي كلها من عند الله ، فهدى الله أهل الايمان بمحمد للتصديق بجميعها ، وذلك قول ، غير أن الأول أصح القولين ، لان الله إنما أخبر باختلافهم في كتاب واحد . القول في تأويل قوله تعالى : * ( أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب ) * وأما قوله : أم حسبتم كأنه استفهم بأم في ابتداء لم يتقدمه حرف استفهام لسبوق كلام هو به متصل ، ولو لم يكن قبله كلام يكون به متصلا ، وكان ابتداء لم يكن إلا بحرف من حروف الاستفهام لان قائلا لو كان قال مبتدئا كلاما لآخر : أم عندك أخوك ؟ لكان قائلا ما لا معنى له ولكن لو قال : أنت رجل مدل بقوتك أم عندك أخوك ينصرك ؟ كان مصيبا . وقد بينا بعض هذا المعنى فيما مضى من كتابنا هذا بما فيه الكفاية عن إعادته . فمعنى الكلام : أم حسبتم أنكم أيها المؤمنون بالله ورسله تدخلون الجنة ، ولم يصبكم مثل ما أصاب من قبلكم من أتباع الأنبياء والرسل من الشدائد والمحن والاختبار ، فتبتلوا بما ابتلوا واختبروا به من البأساء وهو شدة الحاجة والفاقة والضراء ، وهي العلل والأوصاب ولم تزلزلوا زلزالهم ، يعني : ولم يصبهم من أعدائهم من الخوف والرعب شدة وجهد حتى يستبطئ القوم نصر الله إياهم ، فيقولون : متى الله ناصرنا . ثم أخبرهم الله أن نصره منهم قريب ، وأنه معليهم على عدوهم ، ومظهرهم عليه ، فنجز لهم ما وعدهم ، وأعلى كلمتهم ، وأطفأ نار حرب الذين كفروا . وهذه الآية فيما يزعم أهل التأويل نزلت يوم الخندق ، حين لقي المؤمنون ما لقوا من شدة الجهد ، من خوف الأحزاب ، وشدة أذى البرد ، وضيق العيش الذي كانوا فيه يومئذ ، يقول الله عز وجل للمؤمنين من أصحاب رسول الله ( ص ) : يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمت الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها إلى قوله : وإذ زاغت الابصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا . ذكر من قال نزلت هذه الآية يوم الأحزاب :
جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحة 463 | محمد بن جرير الطبري / الشيخ خليل الميس / صدقي جميل العطار