تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحة 462

مساهمون:

ص٤٦٢
وأما قوله : بإذنه فإنه يعني جل ثناؤه بعلمه بما هداهم له ، وقد بينا معنى الاذن إذ كان بمعنى العلم في غير هذا الموضع بما أغنى عن إعادته ههنا . وأما قوله : والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم فإنه يعني به : والله يسدد من يشاء من خلقه ويرشده إلى الطريق القويم على الحق الذي لا اعوجاج فيه ، كما هدى الذين آمنوا بمحمد ( ص ) ، لما اختلف الذين أوتوا الكتاب فيه بغيا بينهم ، فسددهم لإصابة الحق والصواب فيه . وفي هذه الآية البيان الواضح على صحة ما قاله أهل الحق من أن كل نعمة على العباد في دينهم أو دنياهم ، فمن الله عز وجل . فإن قال لنا قائل : وما معنى قوله : فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه أهداهم للحق أم هداهم للاختلاف ؟ فإن كان هداهم للاختلاف فإنما أضلهم ، وإن كان هداهم للحق فكيف قيل : فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه ؟ قيل : إن ذلك على غير الوجه الذي ذهبت إليه ، وإنما معنى ذلك : فهدى الله الذين آمنوا للحق فيما اختلف فيه من كتاب الله الذين أوتوه ، فكفر بتبديله بعضهم ، وثبت على الحق والصواب فيه بعضهم ، وهم أهل التوراة الذين بدلوها ، فهدى الله للحق مما بدلوا وحرفوا الذين آمنوا من أمة محمد ( ص ) . قال أبو جعفر : فإن أشكل ما قلنا على ذي غفلة ، فقال : وكيف يجوز أن يكون ذلك كما قلت ، ومن إنما هي في كتاب الله في الحق واللام في قوله : لما اختلفوا فيه وأنت تحول اللام في الحق ، ومن في الاختلاف في التأويل الذي تتأوله فتجعله مقلوبا ؟ قيل : ذلك في كلام العرب موجود مستفيض ، والله تبارك وتعالى إنما خاطبهم بمنطقهم ، فمن ذلك قول الشاعر : كانت فريضة ما تقول كما * كان الزناء فريضة الرجم وإنما الرجم فريضة الزنا . وكما قال الآخر : إن سراجا لكريم مفخره * تحلى به العين إذا ما تجهره وإنما سراج الذي يحلى بالعين ، لا العين بسراج .