تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحة 459

مساهمون:

ص٤٥٩
والعلم بها . والهاء في قوله أوتوه عائدة على الكتاب الذي أنزله الله . من بعد ما جاءتهم البينات يعني بذلك : من بعد ما جاءتهم حجج الله وأدلته أن الكتاب الذي اختلفوا فيه وفي أحكامه عند الله ، وأنه الحق الذي لا يسعهم الاختلاف فيه ، ولا العمل بخلاف ما فيه . فأخبر عز ذكر عن اليهود من بني إسرائيل أنهم خالفوا الكتاب التوراة ، واختلفوا فيه على علم منهم ، ما يأتون متعمدين الخلاف على الله فيما خالفوه فيه من أمره وحكم كتابه . ثم أخبر جل ذكره أن تعمدهم الخطيئة التي أنزلها ، وركوبهم المعصية التي ركبوها من خلافهم أمره ، إنما كان منهم بغيا بينهم . والبغي مصدر من قول القائل : بغى فلان على فلان بغيا إذا طغى واعتدى عليه فجاوز حده ، ومن ذلك قيل للجرح إذا أمد ، وللبحر إذا كثر ماؤه ففاض ، وللسحاب إذا وقع بأرض فأخصبت : بغى كل ذلك بمعنى واحد ، وهي زيادته وتجاوز حده . فمعنى قوله جل ثناؤه : وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم من ذلك . يقول : لم يكن اختلاف هؤلاء المختلفين من اليهود من بني إسرائيل في كتابي الذي أنزلته مع نبي عن جهل منهم به ، بل كان اختلافهم فيه ، وخلاف حكمه من بعد ما ثبتت حجته عليهم بغيا بينهم ، طلب الرياسة من بعضهم على بعض ، واستذلالا من بعضم لبعض . كما : 3228 - حدثت عن عمار بن الحسن ، قال : ثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع ، قال : ثم رجع إلى بني إسرائيل في قوله : وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه يقول : إلا الذين أوتوا الكتاب والعلم من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم يقول : بغيا على الدنيا وطلب ملكها وزخرفها وزينتها ، أيهم يكون له الملك والمهابة في الناس . فبغى بعضهم على بعض ، وضرب بعضهم رقاب بعض . ثم اختلف أهل العربية في من التي في قوله : من بعد ما جاءتهم البينات ما حكمها ومعناها ؟ وما المعنى المنتسق في قوله وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم ؟ فقال بعضهم : من ذلك للذين أوتوا الكتاب وما بعده صلة له . غير أنه زعم أن معنى الكلام : وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه بغيا بينهم من بعد ما جاءتهم البينات . وقد أنكر ذلك بعضهم فقال : لا معنى لما قال هذا القائل ، ولا لتقديم البغي قبل من ، لان من إذا كان الجالب لها البغي ، فخطأ أن تتقدمه لان البغي مصدر ، ولا تتقدم
جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحة 459 | محمد بن جرير الطبري / الشيخ خليل الميس / صدقي جميل العطار