الجنة كما نقول ، وإما كافر يستحق التأبيد في الدرك الأسفل من النار على
وجه الاستحقاق والهوان كغيره من الكفار ، وهذا لا يقوله مخالفنا .
وقد أبطلنا أن يكون في ضحضاح من نار ، فلم يبق إلا أن يكون
في الجنة حسب ما بيناه .
مصدر هذا الحديث :
وأيضا " : فإن هذه الأحاديث المتضمنة أن أبا طالب في ضحضاح
من نار مختلفة ، أصلها واحد ، وراويها منفرد بها ، لأنها جميعها تستند إلى
المغيرة بن شعبة الثقفي ( 1 ) ، لا يروي أحد منها شيئا " سواه ، وهو رجل
هامش
( 1 ) المغيرة بن شعبة بن أبي عامر بن مسعود بن متعب الثقفي ، أسلم عام
الخندق ، وكان موصوفا " بالدهاء ولاه عمر بن الخطاب البصرة ، ولم يزل عليها حتى
شهد عليه بالزنا فعزله - كما نقل ابن الأثير - ثم ولاه الكوفة ، فلم يزل عليها حتى
عزله عثمان ، وولاه معاوية الكوفة حتى مات عام 50 ه .
كان المغيرة يكره عليا " وآله ، يسبهم أشد السب ، يقول ابن أبي الحديد
في شرح النهج : 358 / 1 ) ( ان معاوية وضع قوما " من الصحابة ، وقوما " من التابعين
على رواية اخبار قبيحة في علي عليه السلام تقتضي الطعن فيه ، والبراءة منه ، وجعل
لهم على ذلك جعلا يرغب في مثله ، فاختلفوا ما أرضاه ، منهم أبو هريرة ، وعمرو بن
العاص ، والمغيرة بن شعبة ، ومن التابعين عروة بن الزبير ) .
وقال بعد هذا ابن أبي الحديد ( 360 / 1 ) : ( وكان المغيرة بن شعبة يلعن عليا "
عليه السلام لعنا " صريحا " على منبر الكوفة ، وكان بلغه عن علي عليه السلام في أيام
عمر أنه قال : لئن رأيت المغيرة لأرجمنه بأحجاره ، يعني واقعة الزنا بالمرأة التي شهد
عليه فيها أبو بكرة ، ونكل زياد عن الشهادة ، فكان ببغضه لذاك ، ولغيره من أحوال
اجتمعت في نفسه ) .
وذكر ابن أبي الحديد ( 363 / 1 ) عن جندب بن عبد الله ، قال : ( ذكر
المغيرة بن شعبة عند علي عليه السلام ، وجده مع معاوية ، قال : واما المغيرة انما كان
اسلامه لفجرة وغدرة غدرها بنفر من قومه فتك بهم وركبها منهم ، فهرب منهم
فأتى النبي صلى الله عليه وآله كالعائذ بالاسلام والله ما رأى أحد عليه منذ ادعى
الاسلام خضوعا " ولا خشوعا " ) .
وروى ابن الأثير في الكامل في حوادث ( سنة 41 ) ان المغيرة لم يترك سب
الإمام علي ( ع ) على منابر العراق في البصرة ، والكوفة ، ومطاردة شيعة علي .
وروى ابن الأثير أيضا في كامله في حوادث ( سنة 51 ) في ذكر مقتل
حجر بن عدي قال : ( ان معاوية استعمل المغيرة بن شعبة على الكوفة ، فلما ولاه
عليها دعاه إليه ، وقال له : ( اما بعد . فان لذي الحلم قبل اليوم تقرع العصا ، وقد
يجزي عنك الحكيم بغير التعليم ، وقد أردت ايصاءك بأشياء كثيرة انا تاركها اعتمادا "
عليك ، ولست تاركا " ايصاءك بخصلة : لا تترك شتم علي وذمه ، والترحم على عثمان
والاستغفار له ، والعيب لأصحاب علي ، والاقصاء لهم ، والاطراء بشيعة عثمان
والادناء لهم ) فقال له المغيرة : ( قد جربت وجربت ، وعملت قبلك لغيرك فلم
يذممني . وستبلو فتحمد أو تذم ) فقال له معاوية : ( بل نحمد إن شاء الله ) فأقام
المغيرة على الكوفة لا يدع شتم علي والوقوع فيه والترحم على عثمان والاستغفار له )
وقال ابن الجوزي : قدمت الخطباء إلى المغيرة بن شعبة بالكوفة فقام صعصعة
ابن صوحان فتكلم فقال المغيرة : أخرجوه فأقيموه على المصطبة فليلعن عليا " . فقال
لعن الله من لعن علي بن أبي طالب فأخبروه بذلك فقال : أقسم بالله لتقيدنه
فخرج فقال : ان هذا يأبى إلا علي بن أبي طالب فالعنوه لعنه الله . فقال المغيرة :
أخرجوه اخرج الله نفسه ( الأذكياء : 98 ) .
وأخرج أحمد في ( مسنده 369 / 4 ) عن قطبة بن مالك قال : نال المغيرة
ابن شعبة من علي فقال : زيد بن أرقم قد علمت أن رسول الله ( ص ) كان ينهي عن
سب الموتى ، فلم تسب عليا " وقد مات ؟
وأخرج أحمد في ( مسنده : 188 / 1 ) أيضا " أحاديث نيله من الإمام علي عليه
السلام في خطبته واعتراض سعيد بن زيد عليه .
والسلوك الخلقي لهذا الصحابي السباب يتجلى لنا في اقدامه على ارتكاب الفاحشة
بأم جميل ، وهو وال على البصرة من قبل الخليفة عمر بن الخطاب كما ستمر علينا
وأكثر من هذا فهو بطل عملية ولاية العهد ليزيد بن معاوية ، وان صاحبه
معاوية لم تخف عليه روحية المغيرة وهو الرجل الذي وأكبه ، ومن اجله قام
بكل هذه الجرائم ، ومع هذا فهو يصارح الوفد الذي أرسله المغيرة من الكوفة
إلى معاوية ليزينوا له بيعة يزيد ، فقال معاوية لموسى بن المغيرة الذي كان يرأس
الوفد : ( بكم اشترى أبوك من هؤلاء دينهم ؟ قال : بثلاثين ألف درهم يا أمير المؤمنين
قال معاوية : لقد هان عليهم دينهم ) .
ومع هذا كله فهو من ابطال الاسلام ، ومن نجومه اللامعة في نظر ابن حجر
العسقلاني وابن الأثير وغيرهما من المؤرخين ورجال العلم قديما وحديثا " الذين خانوا
ضمائرهم وانصاعوا لعواطفهم وأحقادهم .
راجع ( الإصابة : 452 / 3 وأسد الغابة : 406 - 407 / 4 وتهذيب التهذيب :
262 - 263 / 10 ، وشرح النهج لابن أبي الحديد : 358 - 363 / 1 ) .