قلت : فلنرجع إلى الآيتين ، أي اللتين ذكرتهما لننظر أيّهما هي : التكوينيّة أم التشريعيّة ، أمّا بالنسبة للمراد من الإرادة في قوله تعالى : * ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ . . . ) * ( 1 ) الخ ، فالإرادة هنا تكوينيّة لا تشريعيّة ، فإنّ الله يريد انْ يكون أهل البيت مطهّرون من الذنوب والرجس ، ليصبحوا معصومين ما داموا هم القدوة للبشريّة جميعاً ، أمّا ما قلتم بأنّ الله قال : * ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ ) * ، فهذه الصيغة للاستقبال لا تدل على الوقوع ، فهذا غير وارد في حقّه تعالى ، لأنّ قوله : إنّما أريد أن أفعل ، يختلف عن قولي وقولك : إنّما نريد أنْ نفعل ; لأنّه يمكننا إرادة الفعل ، ولكن لا يتحقّق الفعل لعجزنا عن الفعل ، نظراً لوجود العراقيل التي تمنع عن الفعل ، أو للغو في الكلام فقط أو الانسحاب عمّا كنّا نريده لسوء خطأ في التفكير ، وما إلى ذلك من أنواع الجهل ، وقولوا لي أيّها الطلاب بكلّ صراحة ، فهل يمكن تصوّر العجز واللغو والجهل في ساحته تعالى ؟ قالوا : لا والله .
قلت : وأمّا قوله تعالى في الآية : * ( فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ ) * ( 2 ) ، فهنا الإرادة تشريعيّة لا تكوينيّة ، لدليلين :
أولاً : هم يريدون ذلك ، والله أيضاً يريده لهم منهم ، كما يريد منّي الطهارة ومنك ، هنا الإرادة ممكن أنْ تتحقّق ، وممكن ألا تتحقّق .
ثانياً : هؤلاء طهارتهم ليست دائميّة ، لذا يحتاجون إليها في كلّ آن ، أي يريدون تجديدها في كلّ حين ، كالاستغفار وفعل ما يقرّبهم إلى الله ، لذا صرّح الله بقوله : * ( يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ ) * ، أي التطهير ، طلب الطهارة ، بينما فيما نحن فيه قال تعالى : * ( وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ) * ، هنا المصدر ليس التطهر بل طهر تطهيراً ، هنا الفعل للمتعدّي ، أي هناك مطهِّر وهو الله ، ومطهَّر وهو أهل البيت ، وهذا التفسير وهو ما ينسجم مع قوله تعالى : * ( لَّا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ ) * .
هامش
1 - صحيح مسلم 7 : 130 ، الأحزاب ( 33 ) : 33 .
2 - التوبة ( 9 ) : 108 .