لأنّها مجرّد إرادة ممكن أنْ تتحقّق ويمكن ألا تتحقّق ، أنت اختلط عليك الفرق بين الإرادة التشريعيّة والإرادة التكوينيّة .
حينئذ صاح قائلاً : لا تتفلسف ، الإرادة لا فرق بين تشريعيّتها وتكوينيّتها .
قلت : يا أخي ، المجال واسع للمناقشة ، لا تستعجل ، كنت استمع إليك تأتي بأدلّتك دون أن أقطع كلامك ، فعليك أيضاً أنْ تستمع إلي حتّى انتهي من كلامي ، وحينئذ يمكنك قبول كلامي أو رفضه مع الأدلّة ، إنّه هنا فرق بين الإرادتين ، أولاً : الإرادة التكوينيّة تتحقّق بدون أيّ عائق ومانع ، مثلاً : الله يريد منّي أن أكون على هذا الشكل ، أسود اللون ، قصير القامة ، وذكر دون أنثى . . كما أراد منك هذا الشكل ، هكذا فإنّه متى ما تعلّقت إرادته يتحقّق المراد كما في قوله تعالى : * ( إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ) * ( 1 ) ، فلا يمكن تخلّف المراد عنن الإرادة الإلهية وإلا يلزم العجز والجهل على الله ، والله سبحانه منزّه عن ذلك ، فإنّه القادر على كلّ شيء ، والعالم يكلّ شيء .
فهذه الإرادة التكوينيّة التي تتعلّق بالكون وما فيه من المصنوعات والمخلوقات سواء شئنا أو أبينا فإنّها تتحقّق بدون أيّ شرط ، لأنّ الإرادة هنا ذات طرف واحد لا دخل للإنسان في ذلك ، أمّا الإرادة التشريعيّة فهي ليست كذلك ، أي يمكن أنْ تتحقّق ويمكن ألا تتحقّق ، مثلاً : الله يريد من الناس كلّهم أنْ يكونوا مؤمنين ، لذا زوّدهم بالعقل ، وأرسل إليهم الرسل ، ولكن لا يمكن أنْ يكونوا مؤمنين كلّهم إلاّ إذا أرادوا ; لأنّه تعالى بعدما أراد ذلك منهم خيّرهم ، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ، هذه الإرادة هي الإرادة التشريعية التي لا تتحقق إلا بطرفين : طرف من الله سبحانه ، وآخر من العباد .
وقال الطلاب كلهم : " هذا على كلّ حال منطقيّ وواقعيّ " .
هامش
1 - يس ( 36 ) : 82 .