فقال بلسان مكسور ضعيف : لا أقدر على الحركة .
فقال له : قم لا بأس عليك ، فأقبل إليه حبواً ، وفعل معه كما فعل معي ، ثمَّ نهض ليركب .
فقلنا : بالله عليك يا سيّدنا إلاّ ما أتممت علينا نعمتك ، وأوصلتنا إلى أهلنا .
فقال : لا تعجلوا وخطَّ حولنا برمحه خطّة ، وذهب هو وصاحبه .
فقلت لصاحبي : قم بنا حتّى نقف بإزاء الجبل ونقع على الطريق .
فقمنا وسرنا وإذا بحائط في وجوهنا ، فأخذنا في غير تلك الجهة ، فإذا بحائط آخر ، وهكذا من أربع جوانبنا .
فجلسنا وجعلنا نبكي على أنفسنا ، ثمَّ قلت لصاحبي : ائتنا من هذا الحنظل لنأكله ، فأتى به فإذا هو أمرُّ من كلِّ شيء ، وأقبح ، فرمينا به ، ثمَّ لبثنا هنيئة ، وإذا قد استدار من الوحش مالا يعلم إلاّ الله عدده ، وكلّما أرادوا القرب منّا منعهم ذلك الحائط ، فإذا ذهبوا زال الحائط ، وإذا عادوا عاد .
قال : فبتنا تلك اللّيلة آمنين حتّى أصبحنا ، وطلعت الشمس واشتدَّ الحرَّ ، وأخذنا العطش فجزعنا أشدَّ الجزع ، وإذا بالفارسين قد أقبلا وفعلا كما فعلا بالأمس ، فلمّا أرادا مفارقتنا قلنا له : بالله عليك إلاّ أوصلتا إلى أهلنا .
فقال : أبشرا فسيأتيكما من يوصلكما إلى أهليكما ، ثمَّ غابا .
فلمّا كان آخر النهار إذا برجل من فراسنا ، ومعه ثلاث أحمرة ، قد أقبل ليحتطب فلمّا رآنا ارتاع منّا وانهزم ، وترك حميره ، فصحنا إليه باسمه ، وتسميّنا له ، فرجع ، وقال : يا ويلكما إنَّ أهليكما قد أقاموا عزاءكما ، قوما لا حاجة لي في الحطب ، فقمنا وركبنا تلك الأحمرة ، فلمّا قربنا من البلد ، دخل أمامنا ، وأخبر أهلنا ففرحوا فرحاً شديداً ، وأكرموه وأخلعوا عليه فلما دخلنا إلى أهلنا سألونا عن حالنا ، فحكينا لهم بما شاهدناه ، فكذَّبونا وقالوا : هو تخييل لكم من العطش .
قال محمود : ثمَّ أنساني الدَّهر حتّى كأن لم يكن ، ولم يبق على خاطري
موسوعة من حياة المستبصرين — صفحة 565
مساهمون: مركز الأبحاث العقائدية
ص٥٦٥