أنهم إذا سمعوا بورود القوافل عليهم ، خرجوا يتلقّونهم ، فاتّفق أن سمعنا بورود قافلة كبيرة ، فخرجت ومعي صبيان كثيرون وأنا إذ ذاك صبيٌّ مراهق ، فاجتهدنا في طلب القافلة ، بجهلنا ، ولم نفكّر في عاقبة الأمر ، وصرنا كلّما انقطع منّا صبيٌّ من التعب خلوه إلى الضعف ، فضللنا عن الطريق ، ووقعنا في واد لم نكن نعرفه ، وفيه شوك ، وشجر ودغل ، لم نر مثله قطٌّ ، فأخذنا في السير حتّى عجزنا ، وتدلّت ألسنتنا على صدورنا من العطش ، فأيقنّا بالموت ، وسقطنا لوجوهنا .
فبينما نحن كذلك إذا بفارس على فرس أبيض ، قد نزل قريباً منّا ، وطرح مفرشاً لطيفاً لم نر مثله ، تفوح منه رائحة طيّبة ، فالتفتنا إليه ، وإذا بفارس آخر على فرس أحمر عليه ثياب بيض ، وعلى رأسه عمامة لها ذؤابتان ، فنزل على ذلك المفرش ، ثمَّ قام فصلّى بصاحبه ، ثمَّ جلس للتعقيب .
فالتفت إليَّ وقال : يا محمود ! فقلت : بصوت ضعيف لبيّك يا سيّدي .
قال : ادن منّي .
فقلت : لا أستطيع لما بي من العطش والتعب .
قال : لا بأس عليك .
فلمّا قالها حسبت كأنّ قد حدث في نفسي روح متجدِّدة ، فسعيت إليه حبواً فمرّ يده على وجهي وصدري ورفعها إلى حنكي فردّه حتّى لصق بالحنك الأعلى ، ودخل لساني في فمي ، وذهب ما بي ، وعدت كما كنت أوَّلاً .
فقال : قم وائتني بحنظلة من هذا الحنظل ، وكانّ في الوادي حنظل كثير ، فأتيته بحنظلة كبيرة فقسّمها نصفين ، وناولنيها ، وقال : كلّ منها ، فأخذتها منه ، ولم أُقدم على مخالفته وعندها أمرني أن آكل الصبّر لما أعهد من مرارة الحنظل ، فلمّا ذقتها فإذا هي أحلى من العسل ، وأبرد من الثلج ، وأطيب ريحاً من المسك شبعت ورويت .
ثمَّ قال لي : ادع صاحبك ، فدعوته .
موسوعة من حياة المستبصرين — صفحة 564
مساهمون: مركز الأبحاث العقائدية
ص٥٦٤