ولذا لا يحق لأيِّ إنسان أن يجرّد تلك الامتيازات والخصائص عن مقام الإمامة والنبوّة ، لمجرّد عدم استيعاب حقيقتهما ، وكيفية ارتباط أصحابها بالله تبارك وتعالى .
وممّا يعجب له ، أنّ البعض يذهب إلى أنّ الإيمان بقدرة من نال مقام النبوّة والإمامة على التصّرف بذرّات الكون ، أو عنده علم الغيب تعدٍّ على حدود الله ومختصّاته ، بل يعتقد بعدم بقاء شيء لله تعالى بعد ذلك !
والجواب عن ذلك - كما هو واضح لمن ينصف في حكمه - بأنّ إيماننا بذلك بعد التسليم بأنّ قدرة هذا العبد على هذه الأمور في طول قدرة الله عزّ وجلّ ، وأنّ علمه بالغيب يكون بعد أن يطلعه الله تعالى عليه ، وكلّ شيء في الوجود خاضع لقدرة الله ومشيئته سبحانه .
فإنّنا إذا إستخبرنا القرآن الكريم ، وجدنا أنّ هذه الآية الكريمة : ( قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ ) ( 1 ) ، صريحة بأنّ بعض عباد الله الصالحين يمتلكون القدرة على خرق القوانين العادية لحركة الأشياء ، فكيف إذاً بالنبي والإمام ؟ !
وكذا قوله تعالى : ( عَالِمُ الْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً * إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُول ) ( 2 ) ، فإنّ الله تعالى يعلم الغيب لذاته ، وعباده الصالحين من نبي أو إمام يعلم الغيب بتعليمه سبحانه له ، فهذه الآية الكريمة تبيّن لنا إمكانية علم الغيب بالنسبة لغير الله عزّ وجلّ ، ولكن إذا كان من المرتضين لذلك .
ومن جهة أخرى ، أنّ هذا البعض يظهر منه صغر عظمة الله تعالى في نفسه - وهو لا يشعر - فيتصّور أنَّ عظمته تعالى تقتصر على علم الغيب ، وولايته التكوينيّة على نواميس الكون ، بحيث إذا أعطاهما لبعض أوليائه المقرّبين على نحو الإذن
هامش
( 1 ) النمل ( 27 ) : 40 .
( 2 ) الجن ( 72 ) : 26 - 27 .