الأعمى طلب من النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أن يدعو له ، فأمره ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أن يتوضّأ ويصلّي ويدعو ، فلا يوجد في الرواية نص يثبت دعاء الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) للأعمى ، لا من حيث صيغة الدعاء ، ولا من حيث الإخبار عن دعائه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) للأعمى .
فإنّ تقدير « بدعائه وشفاعته » في قوله : « وأتوجّه إليك بنبيّك » خروج عن الظاهر ، وإدّعاء فارغ البرهان .
ويؤيّد ما بيّناه ، ما ذكره السندي في شرحه لهذا الحديث ، حيث قال : « فإن قلت : كيف أمره بالدعاء وقد طلب الرجل منه أن يدعو له ؟ وقال سابقاً : ( إن شئت دعوتُ ) بإسناد الدعاء إلى نفسه ؟
قلت : كأنّه أشار بذلك إلى أنّ تعليم الدعاء والتشفيع به ( بمنزلة دعائه ) » ( 1 ) .
فإنّ كلام السندي هذا ، فيه إشارة إلى أنّ النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لن يدعُ للأعمى ، وإنّما كان تعليم الدعاء وقراءته ، بمنزلة دعائه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، وحينئذ ، فإنّ كلّ من قرأ هذا الدعاء بإخلاص وبشرطه وشروطه ، كان بمنزلة من دعا له الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، وهذا يعمُّ من توسّل به في حياته ومغيبه ومماته ( صلى الله عليه وآله وسلم ) .
ومن جهة أخرى ، يدلّ هذا الحديث على جواز التوسّل بذات النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وجاهه عند الله تعالى . وذاته المقدسة ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لا تتأثّر بعوامل الحياة والغياب والموت .
ثمّ إنّ ابن تيميّة اعترض على من ذهب إلى جواز التوسّل بالنبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بعد مماته ، بقوله : « فلو كان التوسّل به حيّاً وميّتاً سواء ، والمتوسّل به الذي دعا له الرسول كمن لم يدعُ له الرسول ، لم يعدلوا عن التوسّل به ( 2 ) - وهو أفضل الخلق وأكرمهم على ربّه ، وأقربهم إليه وسيلة - إلى أن يتوسّلوا بغيره ممن ليس مثله » ( 3 ) .
هامش
( 1 ) سنن ابن ماجة ، بشرح الإمام السندي 2 : 156 .
( 2 ) إشارة إلى توسّل عمر بالعباس عمّ النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم )
( 3 ) قاعدة جليلة في التوسّل والوسيلة : 173 .