يَتَوَفَّى الأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا ) ( 1 ) ونسب تارة إلى ملك الموت فورد قوله تعالى : ( قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ) ( 2 ) ونسب في أحيان أخرى إلى الملائكة ، فورد قوله تعالى : ( وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُواْ الْمَلآئِكَةُ ) ( 3 ) ولا يحق لأحد عند قراءته للآية الأولى أن يدّعي بأنّ الله تعالى هو الذي يتوفّى الأنفس فقط ولا يحقّ نسبة التوفي إلى غيره ، لأنّ الآية الثانية والثالثة نسبت فعل التوفي إلى غير الله تعالى . وما يمكن استنتاجه في هذا المجال أنّ فعل التوفّي يتمّ بيد الملائكة أو بيد مَلك الموت ، وإنّ نسبة هذا الفعل إلى الله تعالى هو لأنّه تعالى منح قدرة هذا الفعل لملك الموت أو الملائكة ، وهذا من قبيل أن يُقال بأنّ القائد الفلاني بنى هذه المدرسة ، فنسبة البناء للقائد لا تعني أنّه قام بالبناء بصورة مباشرة لأنّ البناء تمّ على يد العمّال بل تعني أنّ أمر البناء تمّ بأمره وبالإمكانيات التي وفّرها للعمّال .
وهكذا في مسألة الخلق ، فنسبة خلق كلّ شيء إلى الله تعالى لا تعني أنّه يخلق كلّ شيء بصورة مباشرة ، وإنّما ينسب الخلق إلى الله تعالى ، لأنّه صاحب القدرة التي منحها للعبد فتمكّن العبد أن يخلق بها بإذن الله تعالى .
وأما الإصرار على لزوم التمسّك ببعض الآيات القرآنية وإهمال الآيات الأخرى ، فإنّه لا يدلّ على تبعيّة الإنسان المطلقة للقرآن ، وإنّما يدلّ على أن الإنسان وصل إلى نتيجة معينّة فأحبّ أن يدعم قوله بالقرآن الكريم ، فانتقى من القرآن ما يتلاءم مع فكرته وترك الباقي لعدم الانسجام مع الرأي الذي يودّ أن يذهب إليه ، وقد قال تعالى : ( أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْض ) ( 4 ) .
كما أنّ الذي يصرّ على الالتزام بالأخذ بظاهر قوله تعالى : ( اللّهُ خَالِقُ كُلِّ
هامش
( 1 ) الزمر ( 39 ) : 42 .
( 2 ) السجدة ( 32 ) : 11 .
( 3 ) الأنفال ( 8 ) : 50 .
( 4 ) البقرة ( 2 ) : 85 .