تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة من حياة المستبصرين — صفحة 376

مساهمون:

ص٣٧٦
وطّن « هري كوسوما » نفسه إلى الإصغاء لأدلّة الشيعة فيما يذهبون إليه ، وإذ به يجد نفسه أمام مدرسة فكريّة عملاقة تحاول أن تنظر إلى الأمور من زوايا متعدّدة لئلاّ تقع في أسر النظر الأحادي أو النظر من آفاق ضيّقة . وكان جواب الشيعة عن مسألة خلق الله لأفعال العباد هي أنّ الباحث ينبغي أن ينظر إلى الحقائق بنظرة شموليّة ليتمكّن من معرفة الحقائق كما هي عليه في الواقع ، ومنها قوله تعالى : ( اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيء ) فهذه الآية تدلّ على أن الله تعالى خالق كلّ شيء ولكنّنا ينبغي أن لا نستنتج من هذه الآية بأنّ الله تعالى هو الخالق لكلّ شيء بصورة مباشرة لأنّه تعالى نسب الخلق إلى غيره في الآيات القرآنيّة الأخرى منها قوله تعالى : ( فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ) ( 1 ) ، ومنها قوله تعالى : ( وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ ) ( 2 ) ومنها قوله تعالى للسامري وأصحابه : ( وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً ) ( 3 ) . وهذه الآيات تدل بوضوح على صحة نسبة فعل الخلق إلى غير الله تعالى . ومن هنا نستنتج بأنّ الآيات القرآنيّة الكريمة التي تنسب خلق كلّ شيء إلى الله تعالى ، ليست إلاّ في مقام بيان قدرة الله التامّة على الخلق ونفوذ أمره الشامل لجميع الكون بلا استثناء ولا يوجد تنافي بين هذه الشموليّة مع قدرة البشر على خلق أفعالهم ، لأنّ قدرة البشر نابعة من الله تعالى . وبعبارة أخرى إنّ نسبة الخلق إلى الله تعالى لا يعني أنّه السبب المباشر للخلق ، بل قد يكون الخلق صادراً من الإنسان ، ولكنّه ينسب إلى الله عزّ وجل ، لأنّه تعالى صاحب القدرة التي منحها للعبد ، ومثال ذلك في القرآن فعل التوفّي ، فهذا الفعل نُسب في بعض الأحيان بصورة مطلقة إلى الله تعالى فقال عزّ وجلّ : ( اللَّهُ
هامش
( 1 ) المؤمنون ( 23 ) : 14 . ( 2 ) الصافات ( 37 ) : 125 . ( 3 ) العنكبوت ( 29 ) : 17 .