وحاول الجنيد الإشكال على الشيعة بما ورد في بعض رواياتهم من أن بعض أئمة أهل البيت عليهم السلام كانوا أحياناً يعطون جواباً لمن سألهم خلاف الواقع والحق وذلك في ظرف التقية فهو يريد أن ينسب للشيعة ويتهمهم أنهم يقولون بأن أئمتهم يكتمون الحق حيث قال : ( وحتى الفتاوى الفقهية التي كان يفتي بها الأئمة كان منها ما يفتون به خلاف الحق وذلك عملاً بالتقية ، فقد روى النوبختي في كتابه فرق الشيعة عن عمر بن رباح أنه سأل أبا جعفر عليه السلام عن مسألة فأجابه فيها بجواب ، وفي وقتٍ لاحق سأله عن نفس المسألة فأجابه فيها بجواب متناقض مع إجابته الأولى فسأله عن سبب ذلك التناقض فقال ( إن جوابنا الأول خرج على التقية ( 1 ) .
أقول : لقد أثبتنا أن التقية مشروعة فيجوز للمسلم أن يكتم الحق ويظهر خلافه في مورد التقية ، وإذا كان الأمر كذلك فلا ضير على الإمام المعصوم عليه السلام أن يفتي أحياناً أو يجيب على سؤال بخلاف الحق إذا كان المورد مورد تقية ؛ فإن ما دعى الأئمة عليهم السلام لإستخدام التقية في بعض الأحيان هو تعرّضهم على امتداد التاريخ للجور والظلم من قبل السلطات الحاكمة في زمانهم ، ولكن هذا لا يعني أنهم عليهم السلام كانوا يتّقون في جميع أقوالهم وأفعالهم أو حتى في مجالسهم الخاصة التي ليس فيها سوى أصحابهم الثقات ، بل العكس هو الصحيح حيث دلت الروايات على أمر الإمام الصادق عليه السلام لأصحابه بكتمان آرائه وأقواله التي لا توافق هوى السلطة الحاكمة ، حيث كان يدلي بها إلى العشرات بل المئات من الثقات المأمونين ويأمرهم بعدم إفشائها لكائن من كان حذراً من وقوعها في أسماع العيون التي تبثها السلطة لرصد تصرّفات الإمام ، وهذا يدلّ على أنّ روايات التقية
هامش
( 1 ) حوار هادئ صفحة 98 .