تخطي إلى المحتوى الرئيسي

هداية المسترشدين — صفحة 721

مساهمون:

ص٧٢١
وفيه : أن مدلول الأمر إنما هو الإتيان بالمأمور به بعده كما مر في مسألة الفور والتراخي ، فلو كان حاصلا حين الأمر كان الإتيان به بعده تحصيلا للحاصل ، على أن الوجوب لا يتحقق إلا بتمام الأمر وحصول شرطه ، فإما أن يقع الفعل قبله أو بعده ، والواسطة بينهما أمر موهوم لا يعقل أن يكون محلا للكلام . واختلف الحكاية عن الأشاعرة في هذه المسألة فنقل عنهم : أن المأمور إنما يصير مأمورا حال الفعل ، فلا أمر قبله بل هو إعلام له بأنه سيصير مأمورا في الزمان الثاني وهو زمان حدوث الفعل ، وكأنه المعروف منهم ، كما قال التفتازاني : إن المنقول من مذهب الأشعري في الكتب المشهورة ، أن التكليف إنما يتعلق عند المباشرة لا قبلها . وحكى الآمدي اتفاق الناس على جواز التكليف بالفعل قبل حدوثه قال : سوى شذوذ من أصحابنا . واختلفوا في جواز تعلقه به في أول زمان حدوثه فأثبته أصحابنا ، ونفاه المعتزلة . وربما يظهر من العضدي دعوى الاتفاق على ثبوت التكليف بالفعل قبل حدوثه وانقطاعه بعده قال : وهل هو باق حال حدوثه لا ينقطع ؟ قال الأشعري به ، ومنعه إمام الحرمين والمعتزلة ، فهذه وجوه ثلاثة : الأول : القول بامتناع تقدم التكليف على الفعل فلا بد من مقارنته مع الفعل ، فيكون الأوامر السابقة على الفعل محمولة على تعليق التكليف على الفعل ، كتعليقه على الشرائط العقلية أو الشرعية فلا يجدي تقدمها شيئا ، فيكون الحال فيها كما هو الحال في الأمر المقارن للفعل . ومقتضاه اختصاص التكليف بالمطيع وانتفاؤه في حق العصاة إلا أنهم لا يلتزمون بذلك وإن لزمهم . وفيه قدح في جميع الشرائع والأديان . وقد يبنى ذلك على ما ذهب إليه الأشعري : من أن القدرة إنما يوجد مع الفعل فلا يجوز التكليف به قبل حصوله .
هداية المسترشدين — صفحة 721 | الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني