العشى فأكل بهرام وغسل يده . وكان منكسر البدن من أثر التعب اليه فقدّمت اليه يقطينة فيها شراب مع قليل من الغبيراء برسم النقل . فأخذ بهرام يشرب ثم قال للمرأة : حدثيني حتى أشرب على حديثك .
ثم قال لها : كيف حالكم مع هذا السلطان ؟ فقالت : إنه لا جور علينا من الملك ولا حيف سوى أنه يأخذ من كل جان يجنب خمسة دراهم . وليس منه تحمل علينا إلا من هذه الجهة فاستقل الملك ذلك المقدار وأضمر الزيادة عليه .
وذكر غير صاحب الكتاب أنه رأى بستانا كبيرا عند دارها فسألها عن خراجها ومقدار ما عليها كل سنة . فقالت : للسلطان كل سنة على هذا البستان وعلى أمثاله خمسة دراهم . أو كما قال .
فاستقل بهرام المقدار المذكور في نفسه ، ونسب عماله إلى التقصير في حقه ، ونوى الكشف من عنده وأن يزيد في مقداره . فنام على هذه النية الظالمة .
ولما أصبح أرادت المرأة أن تصلح له لبنية فقامت إلى بقرة كانت لها لتحلبها فمسحت ضرعها فلم تدرّ ووجدت ضرعها خاليا من اللبن . فقالت لزوجها : إن قلب السلطان قد غير ، وكأنه قد نوى سوءا وأضمر ظلما . فقال لها الزوج : ما هذا التطير ؟ فقالت : أما تعلم أن الملك إذا صار ظالما جفت الألبان في الضروع ، ولم يأرج المسك في النوافج ، وشاع الزنا والربا في الخلق ، وصارت القلوب قاسية كالحجر الصلد ، وعاثت الذئاب وضربت بالإنس ، وتخوّف ذو والعقول من ذوى الغواية والجهل .
ولولا حدث حدث لما تغير لبن هذه البقرة الحلوبة . فلما سمع بهرام ذلك من المرأة ندم على ما أضمر واستغاث في سره إلى اللّه تعالى وتاب عما عزم عليه . ثم عادت المرأة إلى البقرة تسمى اللّه تعالى ، ومسحت ضرعها فدرت بلبن غزير . ففرجت المرأة وقالت : إنك يا مستغاث الخلق ! قد قلبت الظالم عادلا حتى عاد لي ضرع هذه البقرة حافلا . فحلبت وأصلحت لبنية وقدّمتها إلى ضيفها فطعم متعجبا من الحالة التي شاهدها . ثم قال للمرأة : خذي هذه السوط وعلقيها على قضيب من الشجرة التي على باب الدار . ففعلت فإذا بعسكر بهرام مقبلين . فلما رأوا السوط نزلوا وقبلوا الأرض واجتمعوا على باب الفلاح . فعلمت المرأة وصاحبها أنه الملك وعاد إلى إيوانه ، وقبلا الأرض بين يديه ، واعتذار اليه برثاثة حالهما وضيق أيديهما . فقبل عذرهما وأحسن اليهما ، ووهب لهما تلك الضيعة ، وأوصاهما بإطعام الأضياف . وركب منشرح الصدر مسرورا . والسلام .
شاهنامه ( الشاهنامه ) — صفحة 87
مساهمون: حكيم أبو القاسم الفردوسي
ص٨٧