فاستظرفهن ّ الملك واستملحهن ّ فأشار برزين على المغنية بأن تغنى بما فيه مدح بهرام وصفته . فغنت بما يقرب معناه من قول بعض الشعراء في المأمون :
ترى ظاهر المأمون أحسن ظاهر * وأحسن منه ما أسر وأضمرا
يناجى له نفسا تريع بهمة * إلى كل معروف ، وقلبا مطهرا
ويخشع إجلاله له كل ناظر * ويأبى لخوف اللّه أن يتكبرا
طويل نجاد السيف مضطمر الحشا * طواه طراد الخيل حتى تحسرا
رِفَل إذا ما السلم رفّل ذيله * وإن شمرت يوما له الحرب شمرا
فلما سمع بهرام ذلك شرب على صوته جاما كبيرا كان على كفه ثم أقبل على برزين وقال : أيها الرجل الجواد ! إنك لا تجد ختنا مثلي فزوّجهن منى . فقال برزين : من يتجاسر على أن يخطر بباله ما ذكره الملك ؟ وأنا أصغر خدمك ، وإنهن تراب قدمك ، وقد وهبتهن لك على رسم جيومَرت وأوشهَنج . فأمر فجاءوا بمهود أربعة من الذهب ، وفقعدت العرائس الثلاث في ثلاثة منها وحملن إلى دار الملك . وأقام هو يشرب حتى اجتمعت أصحابه على باب برزين فقعد في المهد الرابع وهو سكران وعاد إلى إيوانه .
قال الفردوسي مخاطبا للسلطان أبى القاسم محمود رحمه اللّه : لا شيء أحسن في السر والإعلان من سلوك طريق العدل والإحسان . وما من ملك كان للرعية بفضله غامرا ، ولبلاده بعدله عامرا إلا وقد بقي حيا اسمه وإن أضمره رمسه . فكن عادلا أيها الملك المطاع ! ولا تحمل الرعية ما لا يستطاع .
ألا ترى بهرام كيف بقي على تعاقب الأيام ذكره في جميع الأقطار متداولا بين الصغار والكبار ؟ على أنه لم يكن من دينه على منهج قويم وصراط مستقيم . وما ذاك إلا لكونه باسطا لظلال المعدلة على البرية ، وناظار بعين التعطف إلى الرعية . لا جرم أنه طوى أيام عمره وأنفاس حياته في النعيم والترف ، وعاش ما عاش تحت تاج الجلال وفوق تخت الشرف .
حكاية أخرى له في وصف خروجه إلى متصيده في صحراء جز
وقتل بهرام الأسود الضارية
قال صاحب الكتاب : وأمر بهرام ذات يوم بأن يخرج تخته إلى بستانه . فأخرجوا تخت الفيروزجى ، ونصبوه له تحت أشجار الورد ، وأحضروا له الشراب والمغانى ، وحضر الندماء والخواص . فقال
شاهنامه ( الشاهنامه ) — صفحة 89
مساهمون: حكيم أبو القاسم الفردوسي
ص٨٩