بحصول ملك إيران في مرو ، ويشير عليه بأن ينهض اليه وينتهز الفرصة ويقبض عليه . فلما أتاه الكتاب شاوروا وزيره في ذلك . فقال : الرأي أن تندب لهذا الأمر ولدك برسام ، ولا تفارق أرضك . فإنك إن فعلت ذلك نسبوك إلى النزق والطيش . فانتخَب عشرة آلاف فارس وجهزهم تحت راية ولده إلى مرو . فوصل العسكر من بخارا إلى مرو في أسبوع فدقوا الكوسات في جنح الليل ، والملك في شغل شاغل عن ذلك . ولما أصبح ماهويه أتاه فارس وقال له في السر :
إن العسكر قد وصل فافعل ما ترى . فردّه وركب في عساكره مظهرا لمنابذتهم . ولبس الملك سلاحه . وتلقوا العدوّ . فلما اصطف الفريقان وتقابل الجمعان وقف الملك في القلب فتتابعت عليه حملات الأتراك فخاض بنفسه غمرة الحرب ، وردّ في وجوههم بعض تلك الحملات . فتهازم ماهويه عند ذلك في جنوده ، على مواطأة كانت بينه وبين الترك ، فالتفت يزدجرد ، ولما رأى صنيع ماهويه أحس بالحال فولى ظهره للفرار ، وتبعه الأتراك كالماء والنار . فرأى طاحونة على ماء الزرق فنزل عن الفرس وتركه ، ومشى حتى دخل إلى الطاحونة واختفى فيها . وكانت فرسان الأتراك في أثره فرأوا فرسا عائرا مغمورا في الذهب فأحدقوا به وأخذوا في قسمة عدّته ، واشتغلوا بذلك حتى أمسوا فانصرفوا . وبقي يزدجرد في الطاحونة حليف الحَرب والويل باكيا طول الليل .
ولما أصبح جاء الطحان فدخلها فرأى رجلا كالسرو الباسق ، على رأسه تاج مرصع ، وعليه قباء من الديباج الصيني مذهب ، وفي رجله مداس ذهبي ، وهو قاعد هناك على الحشيش والتراب ،
هامش
فقاد بيزن جنوده حتى قارب بخارا ثم أمر جنوده أن يبطّئوا حتى يعبر جيش العدوّ النهر إليهم .
وقال لهم : لعلى أنتقم لملك منه . ثم سأل أبقى للملك أخ أو ابن أو بنت فنحضره الينا ونعينه على ماهويه ؟ فقال ابنه برسام : قد انقضى عهد هذه السلالة وقد استولى العرب على ديارهم فما بقي ملك ولا عابد نار . ثم أقبل جيش ماهويه ووقعت الحرب كما وصف المترجم .
ويتبين من هذا أن الترك نصروا ماهويه ثم سخطوا عليه حين لم ينالوا ما أملوا ، وأن كلا من ماهويه وملك الترك ، كما تصف الشاه ، جعل الانتقام ليزدجرد ذريعة إلى بلوغ مآربه .
وفي الطبري أن الأحنف بن قيس غزا خراسان سنة 22 من الهجرة فاستنجد يزدجرد خاقان الترك فلم يستطع إنجاده حتى عبر اليه النهر ( جيحون ) منهزما . فأنجده الخاقان وحشر أهل فرغانة والصغد وسار معه لحرب المسلمين ، ثم رجع الترك إلى بلادهم بعد أن رأوا بأس العرب . ثم تبعهم يزدجرد