تحت الدروع ، وتذوب أفئدتهم بين أحناء الضلوع . وغلبهم العطش حتى عصبت أشداقهم ، وغارت أحداقهم . وبلغ بهم وبدوابهم الأمر إلى أن أكلوا الطين والتراب المبلول . فلما رأى رستم ذلك بارز سعد فغلبه سعد ، وضرب على رأسه ضربة تشظت منه بيضته ، وانقلقت هامته فضربه ضربة ثانية نزلت من عاتقه إلى صدره . واللّه يختص من يشاء بنصره . فهلك رستم وانهزم الفرس فتبعهم المسلمون فقتلوا بعضهم ، ومات من العطش بعضهم . وفباخ جمرهم وصاروا رمادا تذروه الرياح . فركب المسلمون صهوات النصر راكضين ليلا ونهارا في عساكر كالسيل والليل حتى نزلوا على بغداد - هكذا قال - وفيها يزدجرد .
مشورة يزدجرد مع الإيرانيين وذهابه إلى خراسان
فعبر فرخ زاذ أخو رستم المقتول دجلة وتبعته عساكر المدينة .
فلقيهم المسلمون في الكرخ ، وجرت بينهم وقعة عظيمة قتل بها خلق كثير من الفرس ، وجرح منهم خلق آخرون . فانصرف فرخ زاذ ودخل على يزدجرد وقال : لا تقيم بهذه المدينة فقد أصبحت هاهنا وحيدا ، وحواليك من العدوّ مائة ألف . فأخرج إلى خراسان حتى تجتمع عليك العساكر هناك . فخلا يزدجرد بأصحابه ، وفاوضهم فيما أشار عليه فرخ زاذ فاستصوبوا رأيه . فتردّ في ذلك ثم صمم العزم على المسير ، وقال : الأصواب أن نسير إلى خراسان فان لنا فيها جماعة من المماليك . وإذا حصلتُ هناك ، لا محالة ، يأتينا رسل الخاقان ، وأكابر الصين فتجرى بيننا وبينه مصاهرة ونعتضد به ثم نشتغل بكفاية العدوّ . وأيضا فان صاحب مرو المسمى ماهويه يمدّنا ويؤثر معاضدتنا ومظاهرتنا . فإنه كان راعيا من رعاة ، وخيلنا ، ونحن جذبنا بضبعه ، ونوّهنا بذكره . وإنه وإن كان لئيم الأصل فهو لا ينكر أنه من إنشاء نعمتنا وصنائع دولتنا . وقد قيل : احترز ممن أسأت اليه وآذيته ، وارجُ من أحسنت اليه وربيته . ونحن نؤد ماهويه فلعله لا ينسى أيادينا . فصفق فرخ زاذ بيديه ، وقال : أيها الملك ! لا تأمن خبيث الأصل فإنه يكون مجبولا على الشر . ولا يخفى على العاقل أن الطباع تأبى على الناقل .
فقال : أيها البهلوان ! نحن نجربه ، ولا يضرنا منه شيء .
ولما أصبح من الغد ركب وخرج من بغداد ، وأخذ في طريق خراسان فتبعه أهل المدينة يبكون ويضجون . فوقف ساعة وودعهم ، وكان ذلك آخر عهده بهم . وسار يصل السير يا بالسرى إلى أن وصل إلى الرىّ فأقام بها أياما حتى استراح وأراح . فارتحل منها وسار إلى بُست
رسالة يزدجرد إلى ماهويه السوري
وكتب كتابا إلى
شاهنامه ( الشاهنامه ) — صفحة 268
مساهمون: حكيم أبو القاسم الفردوسي
ص٢٦٨