وحينئذ امتلأ صاع ملوك العجم واستعلت الأنوار الإسلامية فزحزحت تلك الظلَم .
إغارة سعد بن أبي وقاص على إيران وإرسال يزدجرد رستم لحربه
فنفذ أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضوان اللّه عليه سعد بن أبي وقاص رضي اللّه عنه لقتالهم . فلما بلغ ذلك يزدجِرد جمع عساكر كثيرة خذلهم التوفيق ، فجعلهم تحت راية رستم الذي سبق ذكره ، وكان بهلوانا شجاعا وفارسا مقداما ، فجهزه بهم إلى القادسية حين وصلت إليها عساكر الإسلام . فالتقوا هنالك وجرت بينهم وقعة عظيمة . وكانت الحرب بينهم أوّلا فقتل من الجانبين خلق كثير . ثم ظهرت الغلبة الاسلامية . وكان رستم منجما فرئي طالع الفرس منحوسا ، وعلم أن نعيمهم عاد بؤسا . فكتب كتابا إلى أخيه مشحونا بالأسف والحزن ، ويذكره فيه أن نظرت في أسرار الكواكب ، واستشفقت أستار العواقب فرأيت بيت ملك الساسانية خاليا ، ورسم سلطانهم عافيا ، وأنفقت الشمس والقمر والزهرة في طالع العرب . فلن يروا سوى الخير والعلاء . وأما من جانبنا فقد صار الميزان خاليا فلسنا نرى غير العناء والشفاء . ولقد أمعنت النظر ، وبين أيدينا أمر عظيم وخطب جسيم . والأولى أن أوثر السكوت وأفوّض الأمر إلى مالك الملك والملكوت . وقال في كتابه : وإن الرسل تختلف بيننا وبينهم . وهم يلتمسون أن نقاسمهم الأرض فيكون لهم ما وراء الفرات ، ويكون لنا ما دونه على أن نفتح لهم الطريق إلى السوق حتى يدخلوا إليها ويتسوّقوا [ 1 ]
هامش
[ 1 ] في الشاه : نقتسم مع الملك الأرض من القادسية إلى شاطئ النهر ، ويفتح لنا وراء النهر طريق إلى مدينة ذات سوق لنبيع ونشترى . ولا نبغي وراء ذلك . وتؤدّى الجزية ولا نطمع في تاج العظماء ، ونطيع الملك ، ونبذل له الرهائن إن شاء .
وقد ترجم مول وورنَر الجملة الأولى : « نترك للملك الأرض من القادسية إلى شاطئ النهر » . وهذا لا يستقيم في القصة ولا يلائم طلبهم أن تفتح لهم وراء النهر طريق السوق . وقد أصاب المترجم العربي وأخطأ مول وورنر . وظاهر أنهما أخطأ في ترجمة هذا البيت :
كه از قادسى تا لب رودبار * زمين را ببخشيم با شهريار .
ترجما « ببخشيم » نعطى . وهي هنا بمعنى تقسم . وبذلك اضطرا إلى حذف ترجمة كلمة « وزآنسو » من البيت التالي :
وران سو يكى بركشانيد راه * بشهرى كجا هست بازار كاه
لأنها تدل على طلب العرب طريقا وراء الفرات .