فخرج الرجل بالكتاب وفعل ما أمره برويز فوقع الكتاب إلى قيصر . ولما وقف عليه انخدع وظن أن بين برويز وبين صاحبه مواطأة عليه ، وأن جُراز قد احتال عليه ومكر به . فارتحل بخيله ورجله ونكصوا على أعقابهم ، وعادوا إلى بلادهم راضين من الغنيمة بإيابهم وكتب إلى جراز يعيره ويوبخه ويقول : إنك قصدت أن تلسم إلى برويز تاجى وتختى . وكنت في مكاتبتى مماذقا غير مصادق ، ومكاشحا غير موافق . فكتب اليه يبرئ نفسه من ذلك ، ويستعطفه ويستميله ويسأله الرجوع والعود .
فكان من جواب قيصر له : كيف أعود وهذا أثر فاسك ؟ وأنَّى آمن وقد عرفت ربوضك لافتراسك ؟ فلم يرجع قلبه له . وكأنما وافق قول الشاعر قوله حيث قال ، وهو النعمان بن المنذر ملك العرب :
قد قيل ذلك إن حقا وإن كذبا * فما اعتذارك من شيء إذا قيلا
وأما برويز فإنه كتب إلى جراز كتابا يقول فيه : أيها الخبيث الغادر ! كم أكاتبك . وأستدعبك وأنت مصرّ على المخالفة ؟ وقد بلغني أن العساكر الذين جعلناهم تحت رأيتك يكاتبون قيصر ، ويصادقونه . فإذا وقفت لعى كتابي هذا فنفذ إلى من تتهمه منهم بذلك . فلما قرأ كتابه نفذ اليه ممن معه من العساكر اثنى عشر ألف فارس . وأمرهم بالتظاهر والتوافق . فساروا إلى أن وصلوا إلى أردشير خُرّة فنزلوا جميعا في مكان واحد ينتظرون أمر برويز . فنفذ إليهم برويز ذاد فرُّخ ، وأمره أن يقول
هامش
ورأت قبائل الأوار فرصة للإغارة على عاصمة الروم فأغاروا . وضاق هرقل ذرعا بهذه الخطوب فعزم على الفرار إلى قرطاجه ، ووضع ذخائر في السفن ولكن الناس نذروا بذلك فثاروا . وانتهى الأمر بأن حلف هرقل في كنيسة صوفيا ألا يترك القسطنطينية .
وبعد سنين جمع هرقل أمره وأعان القيسسون وغضب معه الناس حمية لدينهم الذي استباع پرويز حرمته بالاستيلاء على بيت المقدس وازدراء المسيح في كتابه إلى هرقل . وكانت وقائع من سنة 622 إلى 627 م جزر فيها سلطان الفرس شيئا فشيئا ، وانتصر هرقل في مواقع عدّة حتى أحس پرويز الخطر فأعدّ ما استطاع من قوّة ، وحالف الأوار سنة 626 م وأرسل جيشا لمقابلة هرقل وآخر لمشاركة الأوار في حصار القسطنطينية ، ولكن الروم استطاعوا أن يدفعوا الأوار عن المدينة ويهزموا القائد شاهين الذي لم يستطع عبور البسفور لمعاونة الحلفاء . وقد غضب پرويز على قائده وشتمه وأوعده ثم مثل بجثته حين مات .