فدعا عظماء الروم إلى متابعته ومشايعته فأبوا عليه . فخافهم على نفسه وآثر الملك والتبع هواه وتنكب سبيل هذه لكنه أحسن الجواب وقارب الخطاب . لا جرم ثبت ملكه وملك بنيه . وأمت برويز فإنه جرى في سنين الغواية واستولى على أمد الجهالة . فلما أتاه كتاب النبي صلعم مزقه فمزق اللّه ملكه وملك ولده ، كم يأتي ذكره .
قال صاحب الكتاب : وما كاتب جُراز قيصر جدّ واجتهد ، وجمع عساكره ، وخرج ليتصل به ويقصد بلاد برويز .
رجوع جيش إيران من عند كسرى برويز وتخليص شيرويه من الحبس
فعلم برويز بذلك ، وكان قد أيس من جراز أن يعود إلى طاعته . فاحتال عليه وكتب اليه كتابا يسكره فيه ويحمده ويصف غناءه وعقله ودهاءه ومكره ، ويقول فيه : إنك بعد أن اجتررت قيصر ، واستخرجته من بلاده فالزم مكانك . فإني واصل على الأثر . وإذا وصلت بعساكرى نهضتَ من ذلك الجانب فيصير قيصر بيننا فنحيط به وبمن معه فلا يفلت منهم أحد . واستدعى بعض ثقاته وشدّ ذلك الكتاب على عضده وقال له : « سر بهذا الكتاب ، واجعل طريقك إلى جراز ، وارم بنفسك بين أصحاب قير حتى يأخذوك ويأخذوا الكتاب الذي معك ويحملوك اليه .
فيفتح الكتاب ويقرؤه ويسألك عن حالك فتقول : أنا رسول برويز إلى جراز » . يريد بذلك أن يفرّق بينهما ويشتت شملهما .
هامش
فأخذوا مدن الجزيرة واجتازوا الفرات ، واستولوا على حلب وغيرها ، وغزوا إرمينية ، وتوغلوا في آسيا الصغرى حتى رأى أهل القسطنطينية النيرا التي أضرمها الفرس في قرى الروم .
ثم ثار الناس على الإمبراطور فوكاس ، وقدم هرقل من إفريقية فتولى الملك . وعاود پرويز الحرب سنة 611 م فاستولى الفرس على أنطاكية وغيرها حتى أخذوا دمشق سنة 614 م . واصطبغت الحرب بصبغة الدين فدعا قواد الفرس إلى استئصال النصارى . وعاونهم اليهود فاستولى على بيت المقدس وأخذوا الصليب الذي صلب عليه المسيح ، بزعم النصارى ، وهو أعز شيء لديهم . ويرى في كتاب پرويز إلى هرقل إذ ذاك كيف بلغ به الكبر وازدراء الروم . ثم تقدّم الفرس فأخذوا مصر سنة 616 بعد تسعة قرون ونصف من خروجهم منها أيام الإسكندر . وسنة 617 استولى القائد الفارسي شاهين على خلكدونيا إزاء القسطنطينية . وقابلة هرقل فأشار عليه القائد أن يرسل سفيرا إلى پرويز يدعوه إلى السلم فأخفقت السفارة وسجن پرويز السفراء ، وأرسل إلى قائده يوعده بالموت على أنه لم يأته بهرقل مقيدا .