فلما جن الليل توارى وهرب بحيث لم يعرف به أحد . ولما علم الملك بذهابه عظم عليه ، وأمر بحبس جميع صناع الروم ، وأمر جماعة من الصناع بإتمام البناء فعجزوا . وبقي على ذلك إلى تمام ثلاث سنين . فظهر الأستاذ الرومي في السنة الرابعة . فأخبِر الملك بذلك وأحضِر عنده ، وسأله عن عذره فيما فعل . فقال : إن نفذ الملك معي بعض ثقاته حتى ينهى اليه ما يشاهده عذرنى وغفر لي ذنبي . فنفذ الملك معه بعض أمنائه . وأخذ الخيط الذي قدّر به البناء ، وعاود تقديره فنقص ثمانية أذرع بذراعهم . فرجع إلى حضرة الملك وقد أعلم بذلك فقال : أيها الملك ! لو قعقد الطاق عليه قبل اليوم لم يثبت إلا قليلا ، ولم يجُد عملي فتيلا . فصدق الملك قوله ، واستصوب حزمه . واشتغل الرومي بإتمام العمل ، وبقي يعمل فيه إلى تمام سبع سنين . ولم فرغ منه أنهم عليه بأموال وأراض وأمواه .
قال : وكان من عادة الملك أن يجلس في هذا الإيوان يوم النيروز . وكان في طاقه حلقة كبيرة من الذهب فيها سلسلة متدلية من الذهب الأحمر مرصعة باللؤلؤ والجوهر . فإذا جلس الملك في الأيوان علق تاجه من هذه السلسلة فيجلس تحت التاج على تخت العاج . وكان إلى جانب هذا الإيوان مجلس أصحاب الدواوين والوزراء والكتاب . ودونهم الأسواق المشتملة على النفائس والأعلاق ، ودونها موضع فقراء الناس وأوساطهم ، وتحت الكل موضع إقامة الحدود وإجراء السياسات . ومنادى الملك ينادى في الجميع يعذر وينذر ، ويردع ويزجر . وكان الملك في هذا اليوم يتفقد الفقراء والمحتاجين فيفرق فيهم أموالا كثيرة .
هامش
مشيد بالآجر والجص . وقد أَعجب به القدماء أيما إعجاب ، ووصفه الشعراء وصفه البحتري في سينيته المعروفة ، وكانت لا تزال نقوشه وتصاويره رائعة ، ووصفه غير البحتري ، وأمة من شعراء الفرس الخاقاني في القرن السادس ، ولكن قصيدته رثاء وبكاء لا تبين عن الإيوان إبانة قصيدة البحتري .
وقد زرته في بعثة كلية الآداب من الجامعة المصرية يوم الاثنين 22 رمضان سنة 1349 ه .
فشهدت جلاد الزمان والإنسان وتخيلت الإيوان وقد تهدّمت قبته وجداره الخلفي وانهدم القصر الذي كان على جانبيه إلا الجدار الأمامى من الجناح الأيمن - تخيلته نسرا هرما أنحى الزمان عليه فحصّ ريشه وهاض جناحيه ولكنه بقي متجلدا مستكبرا شامخ الرأس يقلب عينيه في لوح الجوّ محاولا أن ينهض إلى مجاله القديم في عنان السماء .
فهو يبدي تجلدا وعليه * كلكل من كلاكل الدهر مرسى