فاندفع في الغناء ، واندفع هو في الشراب وأكثر حتى ثمل . وأمر فحشوا فاه ، وجعلوه ملك المطربين ، وقدّموه على أقرانه من أهل زمانه .
بناء برويز إيوان المدائن
ذكر بناء برويز إيوان المدائن
[ 1 ] قال صاحب الكتاب : ونفذ برويز إلى أقطار ممالكه ، وحشر الصناع والبنائين حتى اجتمع على بابه من بلاد الهند والروم وفارس ثلاثة آلاف نفس . فاختاروا منهم مائة ، ومن المائة ثلاثة :
فارسيا وروميين . فحضروا عند برويز فأفاضوا في حديث البناء فظهر أحد الروميين على الفارسي .
فاستدناه الملك وقال : إني أريد أن تبنى لي إيوانا يدوم حتى يجلس فيه ولدى ومن يليه من أعقابى إلى مائتي سنة ، ولا يخرب ولا يتأثر بالثلج والمطر وغيرهما . فتقبل بذلك وخرج وشرع في الأمر ، وأمر فخفروا الأرض مقدار خمسين ذراعا بذراع اليد . ووضع أساس النبأ ، وأخذ يبنى بالحجارة والجص إلى أن صعد البناء ، وبلغ حدّه المعلوم ، ولم يبق غير ضرب طاقة عليه . فحضر عند الملك وسأله أن ينفذ معه جماعة من الموابذة حيث يمسحوه ويذرعون فنفذ معه جماعة فأخذوا خيطا من الإيريسم مفتولا ، ووقفوا على مقدار سمك البناء من أعلاه إلى أسفله . ثم ختموا على الخيط وسلموه إلى خازن الملك . ثم حضر عند الملك وقال : قد فرغت من بناء أركان الإيوان . والصواب أن نصبر أربعين يوما حتى تتراصّ أجزاؤه ، ويتهندم بناؤه ثم نعقد عليه الطاق حتى لا يتطرّق اليه خلل .
فاستطال الملك المدّة ثم أمر له بثلاثين ألف در هم حتى يبسط ذلك في أمله ، ولا يفتر نشاطه في علمه .
هامش
[ 1 ] إيوان المدائن أو طاق كسرى ، كما يسمى الآن ، ينسبه أكثر مؤرخي العرب والفرس إلى كسرى پرويز ، وبعضهم ينسبه إلى كسرى أنوشروان ، وبعضهم يقول : تعاون على بنائه عدّة ملوك .
وكأن اختلاف الرواة كان من وحدة الاسم فلكا الملكين يسمى « خسرو » . والمرجح أن الذي بناه كسرى أنوشروان . فإن كسرى پرويز أقام في دستَكِرد لا في المدائن معظم عهده منذ ستة 603 إلى أواخر عمره .
ولا تزال بقية الحادثات من الإيوان قائمة شرقي دجلة على 25 ميلا من بغداد . وكانت القبة وجدارا القصر عن يمينها وشمالها قائمة إلى عهد قريب . ثم انقضّ الجدار الذي إلى شمال الإيوان . وترى اليوم الإيوان وقد انهدمت عالية جداره الخلفي ، وسقط معظم قبته . وإن الناظر اليه لتروعه هذه المعجزة الخالدة : قبة ترتفع زهاء 100 متر محلقة على إيوان طول زهاء 80 مترا وعرضه زهاء أربعين . والبناء كله