ليس له على باب الملك مصادق ولا مماذق . فتحير في أمره . وكان للملك بستان يخرج اليه كل سنة يوم النيروز ، ويقبل فيه على الشراب والطرب أسبوعين ، وكان لهذا الباغ « باغبان » اسمه مردويه .
فقصده بهربذ واختلف اليه حتى حصلت بينهما صداقة . فقال له ذات يوم : إن لي إليك حاجة يسهل قضاؤها عليك وهي أن تمكنى ، إذا صار الملك إلى هذا الباغ ، من النظر إلى مجلسه حتى أراه في حال أنسه . فأجابه إلى ذلك ، وتقبل له بقضاء حاجته . ولما قرب وقت خروجه إلى ذلك البستان أتاه وأعمله بذلك . فرتب بهربذ لنفسه دست ثوب أخضر ، وعمل عودا أحضر ، وحمله وسار إلى البستان فلبس تلك الثياب ، وحمل العود ، وصعد إلى أعلى شجرة سرو كان الملك يجلس تحتها ، وتوارى في أغضانها المتشابكة . فحضر الملك وقعد تحت تلك الشجرة ، وحضرت المغانى ، وسعت الغلمان الصباح بمصابيح الراح متقدة في زجاجات الأقداح . فكست إلى أن صارت الشمس كعين الأحول ، وتوارت في حجاب الطف . وعند ذلك رفع صوته وحيس وتره وغنى بصوت يسمى الآن « داذآفريد » فتحير جميع الحاضرين ، ودهشوا أجمعين . وأمر الملك بتطلب صاحب الصوت فلم يهتدوا إلى مكانه . فقالوا : لا بعد في سعادة الملك ولا غرو أن تغنيه في مجلس أنسه أغصان السرو .
فطاب وقته ، وأمر الغلام أن يناوله جاما من المدام . فلما وضعه على كفه عاد ورفع صوته من أعلى الشجرة وغناه بصورت آخر يسمى الآن « بىكاركُرد » فشرب برويز على ذلك الصوت ذلك الجام ، وطربا طربا عظيما ، وأمر بتتبع صاحب الصوت فطلبوه تحت الأشجار بالشموع والمشاعل فلم يعثروا عليه . فاستدعى الملك جاما آخر . فلما وضعه الساقي على يده رفع صوته ثالثا ، ونقر مزهرة ، وغنى بصوت آخر يسمى « سبز در سبز » فلما سمع برويز ذلك الصوت وثب من فرط الطرب ، وأخذ رطليّة وشربها وقال : ليس هذا بصوت ملَك ولا جنىّ . اطلبوا صاحبه حتى نملأ فاه درارا ، وحجره جوهرا ، ونجعله على العوّادين أميرا ، ونفيض عليه خيرا عزيزا . فنزل بهربذ ذلك من أعلى الشجرة ، ووضع خدّه على التراب بين يدي برويز ، وانتصب قائمات ودعا له . فسأله الملك عن حاله . فشرجه له من أوّله إلى آخره . فنظر إلى سركس نظر عاتب وقال : يا سيئ الأدب ! أنت كالحنظل ، وهذا كالسكر . لماذا حسدته وحلت بينه وبين مجلسي ؟ وأقبل على بهربذ ، وأمره
شاهنامه ( الشاهنامه ) — صفحة 242
مساهمون: حكيم أبو القاسم الفردوسي
ص٢٤٢