رأس الخاقان من كلامه خُنزُاوانة فاستحضر أصحاب رأيه ومشايخ ودولته ، وفاوضهم فيما ذكره بهرام .
فقالوا : أيها الملك ! إن قلع الساسانية أمر صعب ولكنه ستيسر بسعادتك . وبهرام إذا دخل إلى تلك البلاد انحاز اليه أكثر الإيرانيين لمحبتهم له وميلهم اليه . والرأي ما يرى بهرام . فليتبع فقد سهل المرام . فوافق كلامهم هوى الخاقان فافتر ضاحكا ، واستدعى أميرين من أمرائه : أحدهما يسمى جنويَه . والآخر زنكويَه ، وكانا أكثر قواده أتباعا وأشياعا ، وجعل تحت راياتهما عساكر عظيمة وأمرهما باتباع بهرام والانقياد له فيما يورد ويصدر . وأشار على بهرام بالارتحال فشدت الكوسات على أكتاف الأفيال ، وارتحل بهرام متوجها نحو إيران بعساكر كالجبال في كثرة الرمال .
إرسال كسرى برويز لخراد بن برزين إلى الخاقان واحتياله لقتل بهرام چوبينه
قال : ولما أتى الخبر برويز بأن ذئب الفتنة قد أصحر من غيضته ثانيا استحضر خرّاذ من برزين وقال : أنت عالم إيران وخطيبهم المصقع وأربيهم الأروع . فانهض لكفاية هذا الأمر فإن المحذور قد وقع . ثم فتح أبواب خزائنه وأخرج من الجواهر والمناطق والأطواق والأقراط وغيرها . ما بهر خراذ . وأمره بأن يحملها إلى الخاقان . فأخذ خراذ في طريق بلاد الترك وسار وقطع جيحون في مخاضة مجهوله . كان يعرفها هو . فلما وصل إلى باب الخاقان أعلم بقدوم رسول صاحب إيران فأمر بإدخاله عليه . فلما مثل بين يديه خدم واستأذنه في الكلام فحمد اللّه تعالى وأثنى عليه ثم قال : أيها الملك ! إن برويز قريبك وحميمك . فإن جدّه من قبل الأم هو الخاقان جدّك . فعليك أن تبل ّ رحمه وتصل قرابته . وجرى في مضمار الكلام حتى راقه بألفاظه والموشعة وعباراته المنمقة .
فمدحه الخاقان وأثنى عليه وأقعده معه على تخته . فعرض عند ذلك ما استصحبه من الهدايا والتحف . وحضر الخازن فتسلمها . وأمر الملك فأخلوا لخرّاذ بهوا بهيّا وقصرا عليّا ، ورتبوا له جميع ما كان يحتاج اليه من الملابس والمفارش . فبقى عند الخاقان يلازم خدمته في الإيوان والميدان .
فوجده ذات يوم خاليا فانتهز الفرصة وقال : أيها الملك ! اعلم أن جوبين رجل لئيم لا يعرف قدر من ينعم عليه . وقد كان في الأوّل متطاطئا في أطمار الخمور لا يعرف اسمه أحد . فاعتنى بأمره هرمزد ونعشه فرفعه من الثرى إلى الثريا . فعامله بما رأيت . وها هو يعامل ولده بما ترى وأنت وإن بلغت معه في الشفقة والعناية التي أقصى الغاية نقض عهدك بالآخرة أنكاثا ، وطلق الوفاء لك ثلاثا .
وكان خرّاذ يستعمل الفكر في الاحتيال لإهلاك جوبين . فحصل بينه وبين رجل كان متولى أستاذ دارّيه .
شاهنامه ( الشاهنامه ) — صفحة 225
مساهمون: حكيم أبو القاسم الفردوسي
ص٢٢٥