يدي تخت الخاقان قام اليه واعتنقه وقبل وجهه وأجلسه على تخته معه . فقال له جوبين : أيها الملك ! إني دخلت عليك معتصر إليك ومعتصما بحبلك . فإن كنت تقبلني فأعلمنى حتى ألازم حضرتك ، وأتدرع ملابس عبوديتك . وإن لم تقبلني تجاوزت بلادك ودخلت إلى بلاد الهند . فقال الخاقان معاذ اللّه أن أحوجك إلى ذلك ! وحلف بالأيمان المغلظة أنه ما عاش يواسيه ، ويسعى في تحصيل مطالبه وتنجيز أمانيه ، ويكون له معاضدا ومساعدا في جميع ما يرديه ويبغيه . فأمر فزينوا له إيوانين ورتبوا له فيهما جميع ما يحتاج اليه من الذهبيات والفضيات والخيل والأسلحة والجواري والغلمان .
واعتنى بأمره وشغف به فكان لا يصبر عنه ساعة ولا يفارقه لحظة .
قال : وكان في خدمة الخاقان رجل شجاع يسمى مغاتوره لم يكن له في جميع عساكره في الشجاعة ثان ، ولا له عن الاستيلاء على قصب السبق في مضمار الرجولية ثان . وكان من عادته أن يدخل كل صبيحة على الخاقان فيخدم ويقف ، ويقدّم إليه من الخزانة ألف دينار . وكان بهرام يرى ذلك ويتعجب منه إلى أن مضى على ذلك زمان . فضحك ذات يوم وقال للخاقان : ما بال هذا التركي يدخل كل يوم ويأخذ ألف دينار ؟ أيأخذ ذلك أيها الملك ! كما تؤخذ الأرزاق والعشرينيات أم هو جار مجرى الصلات والهبات ؟ فقال : إن هذا رسمنا فيمن كان من أصحابنا أشجع ، وفي مستنقع الموت أثبت . وهذا الرجل إن لم نعامله بما ترى كل يوم لم نأمن شره ومعرته . فقال : أنت سلطت هذا العبد على نفسك حتى طمع كذلك فيك . فما رأيك في أن أخلصك منه ؟ فقال : إن فعلت ذلك فقد أرحتنى . فقال : غدا إذا دخل عليك فلا ترفع به رأسا ، ولا ترد له جوابا . قال : فلما أصبح الخاقان ودخل عليه الناس حضر مغاتوره ، وخدم . فلم يلتفت اليه الخاقان ، ولم يبال به . فامتعض والتهب ، وقال : أيها الملك ! مالي أرى اليوم ذلك القرب قد صار ازورارا ، وطويل الكلام اختصارا . ولست أشك أن هذا الفارسي الذي اتصل بك في ثلاثين فارسا يريد أن يبدّد شمل جنودك ، ويفسد عليك قلوب رجالك . فقال له جوبين : خفض عليك أيها الفارس المقدام !
شاهنامه ( الشاهنامه ) — صفحة 222
مساهمون: حكيم أبو القاسم الفردوسي
ص٢٢٢