عقولنا وتخيط عيوننا .
تقرير خراد حول دين الهنود ومقالته فيهم
فضحك قيصر وقال : أبقاك اللّه . فمثلك يصلح للملوك دستورا وصاحبا ووزيرا . ومدحه وقرظه . ثم قال له : وإن عندنا أعجوبة أخرى لو شاهدتها لشككت أنها مجعولة أو مجبولة . فأمر فقام ودخل إلى بيت آخر ورأى فارسا واقفا في الهواء لا يمسكه شيء . فوقف ساعة ثم خرج وقال : قد عمل هذا الفارس من الحديد والبيت الذي هو فيه مبنى من حجارة المغناطيس . ولا تخفى خاصيتها في جذب الحديد . وهذا من صنعة الهنود ، وإن لهم لعجائب . ومن وقف على كتبهم ارتاح قلبه وانشرح صدره . فسأله الملك عن دين الهنود وما يذهبون اليه في أمر المعبود . فقال : إنهم لا يعرفون سوى النار ، وهم يرمون بأنفسهم فيها حتى يحترقوا . ويقولون :
إذا التقت الناران حصلت طهارة الإنسان ، يعنى إذا التقت هذه النار والنار المسماة بالأثير . وباطل ما يظنون ، وهباء ما يعملون . ثم قال لقيصر : وأنتم أيضا فلستم على بينه من أمركم ، ولا على محجة بيضاء من دينكم . فإنكم عمدتم إلى رجل فقير كان يأكل من كسب يده يجتزئ بالثوم والبصل في مطعمه ، وتسلطت عليه اليهود وحتى قتلوه وصلبوه ، وفي الكنيسة يبكى عليه أبوه - هكذا قال - فجعلتموه ابنا اللّه الأحد ، المنزه عن الوالد والولد . ولعمري إن العاقل لضحك من مثل هذا . فلما بالك أيها الملك ! ترغب عن الدين الجيومرثي ، والطريق الطهمورثى - طريق من يقول : إن اللّه سبحانه واحد أحد ليس لأحد دونه ملتحد وتصد عن قبلتهم التي هي أشرف الجواهر ، وأعلى العناصر ؟ بل غرتكم كنوزكم وأموالكم ، ونسيتم قول عيسى صلوات اللّه عليه حيث يقول : اجتز « بسوتام » من المأكول ولا تتكلف في الملبوس والمفروش . قال : فاستحسن قيصر كلامه ومدحه وأثنى عليه وخلع عليه خلعة تشتمل على تاج مرجع بالجواهر مقرونة بأنواع من زبد الذخائر الأخاير .
إرسال قيصر الروم الجيش وابنته مريم إلى كسرى برويز
عاد الحديث إلى ذكر ما دبره قيصر في أمر برويز . قال : ولما اجتمعت العساكر عند قيصر اختار مائة ألف فارس من الأبطال المذكورين والفرسان المشهورين ، وفرّق عليهم الأموال والخيل والأسلحة . وكانت له بنت متحلية بالخلال الحميدة والخصال المرضة تسمى مريم فرتب لها جهازا مشتملا ، من الذهب والفضة والجوهر ، على ما حسرت عنه الحوامل ، وعجزت عن ضبطه الأنامل . فضلا عما سواها من الملابس الفاخرة والمفارش الرائعة . وأخرجوا أربع عماريات معمولة
شاهنامه ( الشاهنامه ) — صفحة 211
مساهمون: حكيم أبو القاسم الفردوسي
ص٢١١