عليه الكاتب ، ولا يعلم به الدستور والصاحب . فتدبر معانيه واحفظ ما فيه . ثم اكتب جوابه ، وثق منى بكل خير ، وأخرج من قلبك كل هم وفكر . ثم ختم الكتاب ونفذه اليه .
كتابة كسرى برويز عهدا وإرساله إلى قيصر الروم
فلما وقف برويز عليه خلا بنفسه ، واستحضر الدواة والقلم ، وكتب بخطه جواب ذلك الكتاب وقال : إني قد جعلت للّه علىّ أنى ما دمت على تحت إيران لا أطلب خراج الورم ولا أقصد بلادهم بوجه من الوجوه . وقد قبلت نكاح ولده ، وأشهدت اللّه تعالى على نفس أنى لا أخالفه ولا أخالف من يلي ملك الروم بعده . ثم سأله أن ينفذ اليه العساكر مع أصحابه الذين كان نفذهم إلى حضرته .
وأنفذ الكتاب على يد خورشيد بن خراذ اليه . فلما قرأه قيصر استحضر أصحابه وعرض عليهم وكتاب برويز ومعاهدته . فقالوا : نحن عبيدك المطيعون لأوامرك ، السالكون سبيل طاعتك ، لا نحيد عن أمرك ولا نخرج عن حكمك . فأثنى عليهم قيصر وقام .
عمل الروم بعض الطلاسم لاختبار قوة عقول الإيرانيين
قال : ثم إن قيصر أراد أن يجرب وجوه الإيرانيين الذين نفذهم برويز ، ويعرف مقادير عقولهم وفطنتهم وذكائهم . فاستحضر من على بابه من السحرة فأمرهم أن يعلموا تمثالا في صورة جارية حسناء . جميلة المنظر . خلابة للعيون ، سحارة للقلوب ، يقعدونها على تخت ، ويصطف على رأسها الجواري والخدم ، ويهيئون الجارية بهيئة محزونة كأنها في مأتم المسيح تبكى وتسقط عبراتها وهي تكفكفها وتمسح عينها . فاستحضر الإيرانيين وقال في أثناء كلامه لكُستَهم وبالويَه . إن لي بنتا حزينة واجمة لا تزال دموعها ساجمة . وقد نغصت علىّ العيش من فرط جزعها وحزنها . وليست تقصر عما هي فيه ، على كثرة توبيخي لها وتعنيفي إياها . فأريد أن تدخلا عليها وتعظاها فلعلها تقصر عن هذا الجزع . فقالا : سمعا وطاعة . فقاما ورفعت دونها الحجب فدخلا إلى ايوانها فخدما بين يدي تختها ، وأخذا ينصحانها ويعظانها ، وهي على حالها تذرى دمعها وترفع يدها وتمسح عينها لا تزيد على ذلك . فضجرا وخرجا وقالا لقيصر : إن سكرات الحزن والجزع قد غمرت هذه البيت فلا تسمع خطابا ولا تحير جوابا . فأقبل على خرّاذ بن برزين قال له : ادخل عليها أنت ، فإن كلامك بالقلوب أعلق ، ونصحك في النفوس أنجع ، فلعلها تقبل منك . فقام ودخل عليها وخدم وكلمها فلم تجبه . فنظر إليها فرأى دمعها يسقط على نمط واحد من هيئة واحدة فقال في نفسه : إن هذه صورة معمولة . ولو كانت ذات روح لتساقطت عبراتها مختلفة ، ولتحرّك منها عضو آخر سوى يديها .
وليس هذا إلا طلسما فيلسوفيا . فقام ودخل على قيصر وقال : إن هذا طلسم خيلتموه ، وتمثال صوّرتموه . ولم يقف على السر فيه كُستَهم ولا بالويَه . وكأنك تريد أيها الملك ! أن تضحك من
شاهنامه ( الشاهنامه ) — صفحة 210
مساهمون: حكيم أبو القاسم الفردوسي
ص٢١٠