ثم انطلق سائرا في طريقه إلى أن وصل إلى مدينة تسمى وريغ [ 1 ] فاستقلبته أكابر المدينة وتلقوا مقدمه بالإعظام والإجلال .
رسالة كسرى برويز إلى قيصر الروم
ولما نزل وصل رسول قيصر يقول : إن هذه المدينة مدينتك وأهلها تحت حكمك وطاعتك . فالتمس منها كل ما اشتهيت ، وتحكم فيها كما أردت . فإن ممالك الروم لك وتحت حكمك ، وجميع من فيها من الأكابر من جملة عبيدك وخدمك . وإني لا أفرّ في نهار ولا أسكن في ليل حتى أعِدّ لك كل ما تحتاج اليه من سلاح وخيل فأردّك إلى بيتك مسرورا ، وعلى عدوّك منصورا .
فسرّ برويز بذلك وقال لمن معه من الأكابر ، وهم كستَهم وبالويه وأندِيان وخرّاذ وسابور : إذا أصبحتهم فالبسوا الملابس الفاخرة واركبوا إلى حضرة قيصر فقولوا واسمعوا واخضعوا له وتملقوا اليه .
وقال الخرّاذ : أحضر المسك والحرير ، واكتب إلى قيصر كتابا عباراته مسعولة ، وألفاظه مشمولة ، ومعانيه كثيرة ، وكلماته قليلة بحيث تعلق بالطباع ، وتثبت في الخواطر ، وتسلم من الحشو حتى لا يعيبه عليك من عنده من فضلاء الفلاسفة . واحمل الكتاب إلى قيصر . وإذا فرغ قيصر من قراءة الكتاب فأطلق لسانك في مضمار البيان . فإنك تحوى قصب السباق ، وتحرز خَصل الرهان . وقال لبالويه : كن لساننا وترجماننا بين يدي قيصر إذا أفاض في ذكر العهود والمواثيق ، وأجبه إلى ما يلتمس والتزم له وعنا ما يريد من الشروط إلا شيئا يورثنا غضاضة في السلطنة . فإن ذلك مما لا يغضى عليه ولا نرضى به .
هامش
[ 1 ] في الأخبار الطوال أن كسرى نزل بالرها وراسل قيصر . وفي الطبري وفارس نامه أنه صار إلى أنطاكية . والذي يرويه التاريخ أنه لما فرّ من المدائن اجتاز الفرات وسار إلى الأنبار . ثم ساير النهر حتى عبره مرة أخرى عند قِرقيسيا ، على الحدود الرومانية . ثم دعاه الإمبراطور موريس إلى النزول إلى في هبيروبوليس فأقام بها .
ويظهر مما في ترجمة الطبري الفارسية أن وريغ في الرفة ، وعلى ضفة الفرات الشرقية . وهي خربة الآن . وكان إلى الجنوب والغرب منها مدينة الرصافة وكان بها كنيسة القديس سرجيوس الذي قتله الإمبراطور مكسميان . ولهذا سميت المدينة باسم القديس( seryiopolis ). وكان برويز وهو لاجئ إلى الروم يظهر الميل إلى النصرانية ، ويتخذ سرجيوس وليا . ولما انتصر وعاد إلى عرشه بقي يعوذ بالقديس ، ويرسل اليه الهدايا . وفي الطبري أن قائد جيش الروم كان سرجِس . وفي فارس نامه :
سرجيس . وفي الشاه : سركِس . ولعل الرواة سمعوا بسرجيوس وانتصاره پرويز ببركته وفتوهموه قائدا في الجيش الرومي . ومن أجل ذلك يختلفون فيه منهم من يسميه قائدا ومنهم من يعدّه من كبراء الروم الذين ناصروا پرويز .