فلما توسط الطريق قال في نفسه : إنه قد طالت مدّة عن بيتي وأهلي وولدى . والرأي أن أرمى بهذا الكتاب ، وأعاود وطنى . فصمم عزمه على ذلك ففتح الكتاب وقرأه وإذا هو كصحيفة المتلمس . فالتهب من الغيظ وتنمر ورجع من طريقه ، وعاد إلى مخيم الإصبهبذ فصادفه وحده في مضربه وليس عنده أحد ، ولا معه سلاح . فدخل عليه بدالّة قربته . فلما وقعت عينه عليه أحس بالموت وعلم بالحال فتضرع اليه . فلم يلفت إليه واستل سيفه وضرب رقبته وحمل رأسه ، وخرج على غرة من القوم . وسار نحو بهرام فدخل عليه وقال : هذا رأس عدوّك الذي خرج لقتالك .
فأنكر بهرام فعله ولم يستحسنه وقال : إنه لم يكن قد خرج إلا لإصلاح الحال بيني وبين الملك .
فأمر به فصب في الحال . قال الفردوسي : الملك وذووه لا ينبغي أن يفارقهم السلاح أو حاملوه .
قال : وأما العساكر الذين كانوا معه فإنهم لما قتل الإصبهبذ تبدّد شملهم ، وتفرّق جمعهم .
فاستأن طائفة إلى بهرام ، وتوجه طائفة نحو مخيم ، برويز بآذربيجان ، ورجع الباقون إلى حضرة هرمزد .
سمل كستهم وبندويه عيني هرمزد والتنكيل به
فلما على بذلك عظم عليه ، وقعد في مصابه بصاحب حربه ، وأبوابه ، وأطال حجابه حتى وقعت الأراجيف في المدينة . وبلغ الخبر إلى المحبوسين فكسروا الأقياد ، وخرجوا . وخرج كُستَهم وبندويَه ، وتبعهما عوام البلد وأوباشهم ، ونادوا بشعار برويز ، وهجموا على هرمزد ، ودخلوا عليه ، ونكسوه من التخت ثم كحلوا عينيه وفجعوه بكريمتيه وحبسوه . وأنهى الخبر بذلك إلى برويز فطار بجناح الركض وخرج من طريق أرمينية موجع القلب بما جرى على أبيه حتى قرب من بغداد . فسكن الناس وفرحوا بمقدمه فاستقبله أكابر البلد ، ودخلوا به إلى دار الملك ، وزينوا له إيوان السلطنة ، ونصبوا التخت ، وعقلوا التاج .
42 - ذكر نوبه كسرى برويز بن هرمز بن كسرى أنوشروان وكانت مدّة ملكه ثمانيا وثلاثين سنة [ 1 ]
حكم كسرى برويز بن هرمزد بعد أبيه ثمان وثلاثين عاما وبداية أمره
وكان من أشدّ ملوكهم بطشا ، وأثقبهم زندا ، وأبعدهم غورا . وبلغ فيما ذكر ، والبأس والنجدة والنصرة والظفر وجمع الأموال والكنوز ومساعدة القدر إياه . ما لم يتهيأ لغيره من ملوكهم .
هامش
[ 1 ] كسرى الثاني المقلب پرويز ملك ثمانيا وثلاثين سنة ( 590 - 628 م ) . وهو آخر ملوك الفرس الكبار ، وعهده في الشاهنامه من أطوال العهود ، ملئ بالقصص والغير العظيمة والغير العظيمة ذات الأثر البليغ في الأدب الفارسي . وقد بلغ من سنة السلطان ما لم يبلغه ملك فارسي منذ دارا الأوّل