أصبح استحضر الكاتب وكنت إلى الخاقان كتابا مشحونا بأنواع الاعتذار والاستغفار يستقيله العثرة التي بدرت منه ، ويسأله الرضى عنه ، ويعده أنه بعد وقته ذلك يسلك سبيل خدمته ، ويتوفر على إقامة شرائط طاعته ، والمحافظة على تمهيد قواعد حرمته وحشمته ، والذب عن ساحة ملكه وحوزته .
ثم فتح أبواب خزانته وأطلق أرزاق عسكره . وقلد بلاد خراسان أحد أمرائه ، وارتحل من بلخ متوجها نحو الري . فلما وصل إليها أخذ في المكر والاحتيال ، وأمر بضرب الدراهم على اسم كسرى برويز بن هرمزد ، وأن يمحى اسم أبيه عن السكة . فضرب منها كثيرا واستحضر التجار الذين يسافرون إلى بغداد فاشترى أمتعتهم وأقمشتهم ودفع إليهم من تلك الدراهم ، يريد بذلك أن تحمل لدراهم إلى المدائن فيراه هرمزد فيتغير على ولده .
رسالة بهرام إلى هرمزد وهروب كسرى برويز من أبيه
ثم كتب إلى هرمزد كتابا يذكر فيه حسن بلائه وصدق غنائه في الذب عن دولته ، والدفاع عن حوزته ، ويشكو مجازاته بتلك الخلعة المستنكرة . وقال فيه :
إنك بعد هذا لا تراني في المنام فضلا عن العبان . فاقطع رجاءك منى . ولكني مهما استقر كسرى برويز على التخت اتبعت أمره ، وزعزعت في طاعته الجبال ، وأرسلت من دماء أعاديه البحار .
وختم الكتاب ونفده على يد بعض أصحابه وقال : إني إذا هتكت ستر الحشمة استأصلت جرثومة الساسانية . وما كتب اللّه لهم أن تكون الأرض تحت أيديهم وحكمهم إلى يوم القيامة . والآن قددنا انصرام حبلهم ، وانقضاء أمدهم . فلما وصل الكتاب إلى هرمزد اصرف وجهه وعظم عليك ذلك .
فأُنهِى اليه أيضا أنه ضرب الدراهم على اسم برويز . فتضاعف الداء وكأنما ضاقت عليه الأرض والسماء . فتغير رأيه على ولده ، واستحضر إصبهبذا كان صاحب سره يسمى آذين كَشسب ، وفاوضه فيما أتاه من ذلك الخبر المزعج ، والنبأ المقيم المقعد . وسأله أن يدير في الاحتيال لاغتيال كسرى ولده .
فخدعوا بعض حواصه بما لو واضعوه على أن يسقيه سما يقتله . فاطلع بعض الحجاب على هذا السر فسارع إلى إعلام برويز بذلك . فركب تحت جناح الليل وخرج من بغداد يسوق طردا وركضا إلى أن وصل إلى آذربيجان . فلما انتهى الخبر إلى أكابر فارس بأن برويز فارقت حضرة أبيه وظهر في بلاد آذربيجان أقبلوا اليه فاجتمع عنده خلق كثير منهم . وفيهم باذان وفيروز وشيرزيل وبيوَرد صاحب كرمان ، وسام بن إسفَندِيار صاحب شيراز . وقالوا : أنت وارث التاج والتخت ، وأنت ملك الأمر والنهى ، ونحن بين يديك . ولو قصدك ثلاثمائة ألف فارس منعناهم عنك وحفظنا ملكك
شاهنامه ( الشاهنامه ) — صفحة 195
مساهمون: حكيم أبو القاسم الفردوسي
ص١٩٥