فانبسط واركب إلى الصيد والقنص ، واشتغل بإقامة ناموس السلطنة . فقال لهم برويز : إني خائف من الملك . وأنتم إذا حالفتمونى على أنكم تكون معي يدا واحدة حربا لمن يحاربني وسلما لمن سالمنى أمنت إليكم . فحالفوه عند بيت النار المسعى آذركُشَسب . فوثق بهم كسرى ، وفرّق الجواسيس وأصحاب الأخبار في جميع الأقطار ليعملوه بأحوال الملوك عامة وبأخبار أبيه وما هو فيه خاصة .
وأما هُرمُزد فإنه لما وقف على خبر ولده أمر بالقبض على كُستهَم وبندويَه وهما من أخوال برويز . وكان من الآساد المذكورين والشجعان المشهورين . فقبضوا عليهما وعلى جميع خواصه وأصحابه ، وقيدوهم وسلسلوهم ورموهم في المحابس .
إرسال هرمزد قائد جيشه آذين كشسب لحرب بهرام ومصرعه
ثم خلا آذين كشسب وشاوره في أمر بهارم ، سأله عن وجه التدبير في استمالته واستعطافه . فقال : أيها الملك ! إن بهرام يعلم أنى أعدى عدوّ له .
وهو لا يريد في الدنيا غير سفك دمى ، ولا يشتفى إلا بقتلى . والصواب أن تقيدنى وتنفذنى اليه .
فسعاه يرجع بهذا إلى طاعتك . فقال : هذا أمر مستحيل . ولكني أجعلك سالار العسكر ، وأنفذك اليه . وأرسل اليه أوّلا فإن رضي بالصلح وليناه بعض الأقاليم واسترحنا من جهته ، وإن لم يفعل ذلك نهضت اليه وحسمت مادة شره . قال : وكان الآذين كشسب هذا بلدىّ في حبس الملك ، وكان من جيرانه في بلدته . فكتب اليه من الحبس يتضرع اليه ويقول : إن سألت الملك أن يطلقنى ويخلصني لازمت خدمتك في السفر والحضر ، وشهدت معك هذه الحرب التي أنت خارج إليها ثم ترى حسن بلائي بين يديك وصدق غنائى معك . فكتب إلى الملك في حقه فقال : إن هذا رجل مفسد ، وهو لا يصلح لخدمتك ، ولكني لا أدفع في نحر مرادك . فأطلق الرجل وانضم إلى آذين كشسب ، واتصل به . ولما خرج إلى قتال بهرام في عساكر هرمزد ووصل إلى همذان أعلم بامرأة منجمة كانت هناك تخبر عن الأحوال الكائنة . فاستحضرها وخلا بها وأخذ يسألها عن أحوال الملك والعدوّ ، وما تقتضيه أحكام النجوم . فبينا هما في هذا الكلام إذ مر بهما ذاك الرجل الذي خصله من الحبس . فلما رأته المرأة قالت : من هذا الخبيث الذي يجب أن يبكى عليك من يده ؟ فإنه سيسفك دمك . فأطرق الإصبهبذ ، وتذكر أن بعض المنجمين كان قال له في صباه :
إن بعض الأرذال من جيرانك يقتلك في طريق أنت سالكه . فكتب إلى هرمزد كتابا يذكر فيه أن خلاص هذا الرجل كان بعيدا من الصواب . فإذا وصل إليك بكتابي هذا فأمر بضرب رقبته في الحال . وختم الكتاب واستدعى الرجل ، وأحسن اليه ، وأعطاه الكتاب ، وأمره أن يطير بجناح العجلة إلى الملك ، ويأتي بجوابه . فإن فيه بعض المهام . فأخذ الكتاب ورجع قاصدا قصد الملك .
شاهنامه ( الشاهنامه ) — صفحة 196
مساهمون: حكيم أبو القاسم الفردوسي
ص١٩٦