إذا قدّر شيئا فهو لا محالة يكون . ثم قال الهمدان كَشسب : ما رأيك فيما نحن بصدده ؟ فقال :
توكل على اللّه ، واشرع في الأمر ، ولا يصدّنك عن التمر شوك النخل ولا عن الشهد إير النحل .
قال : وأخته ساكته لا تتكلم . فقال لها بهرام : ما رأيك فيما نحن بصدده ؟ فسكتت ولم تجبه ، وأقبلت على الكاتب الكبير وقالت : أيها الذئب الطاعن في السن ! أتحسب أن تمنى التاج والتخت ما دار في رأس أحد قبل بهرام ؟ ألم تعلم كم بقي التخت معطلا في الزمان الأوّل حين كان كيكاوس محبوسا في هماوران فلم يتجاسر على التقدّم اليه مثل جوذَرز ورستم وغيرهما ، ولم يخرج أحد منهما رأسه عن ربقة التبعية بل كشفوا عن ساق العبودية ، وقرعوا ظنابيب الجدّ حتى خصلوه وأعادوه إلى مستقره ودار ملكه وما بلغنا أن أحد ممن لا ينسب إلى الشجرة الكيانية تصدّى لطلب السلطنة وإن كان على النسب كريم العنصر . وقد غرك يا بهرام ! أن هلك ساوه شاه على يدك بسعادة الملك ، وقوة طالعه . فأصبحت تخلع ربقة طاعته وتتمنى تخت ملكه ، بعد أن جذب بضبعك ونوّه باكرك ، وعلى ما هو دأب الملوك ومقتضى همهم العالية ، فتضيع سعيك وسعى آبائك وتخرب بيتك . استيقظ من سنة غفلتك ، ولا تسلط الهوى على عقلك . فإن يلان لا يقدر أن يعمل منك شهريارا جديدا . فسكت بهرام حين عرف صدقها وإصابتها . فقال يلان : أيتها المرأة الجلية ! إن هرمزد سيموت عن قريب . ولا يتمنع بالملك غير أخيك . وإن هذه الدولة قد آذنت بالانصرام وطال عليها تعاقب الشهور والأعوام . فإذا اختُرم هرمزد فلا مبالاة ببرويز . فإن جمع عن علي بابه كلهم مريدون لأخيك ، ومفتخرون بخدمته ، ومطيعون لأوامره . فقالت : إن الشيطان هو الذي نصب لكم هذه الحبائل ، وأرصدكم الغوائل . فإنا من أولاد مرازبة الري ، ولا يليق بنا التعرّض للتاج الكياني ، والسرير الخسروانى . ولكنك تغرر ببهرام وتمنيه هذه الأمنية . فقامت باكية وهي غضبى على أخيها ، ودخلت إلى ما رواء الحجاب . فتعجب الحاضرون من ثقوب رأيها وكمال عقلها حتى قالوا : كأنها أعلم من جاماسب الحكيم . فأطرق بهرام واجما لما قرع سمعه من كلامها لكن كان قد غمرته أمنية الملك حتى لم يكن يرى في نومه سوى التاج والتخت .
ثم أمر بمد السماط فطعموا ، وجلس في مجلس الأنس فأحضر المغانى ، واقترح أن يغنوه بقصة إسفنديار في هفتخوان فشربوا على ذلك إلى أن ثملوا فانفضّ المجلس وعادوا إلى منازلهم .
ضرب بهرام السكة والنقود باسم كسرى برويز بن هرمزد
ولما
شاهنامه ( الشاهنامه ) — صفحة 194
مساهمون: حكيم أبو القاسم الفردوسي
ص١٩٤