مخيم بهرام تلقاه بمن كان معه من أكابر إيران ، ورتب له العلوافة والأنزال في طريقه . ولما لقيه تملق إليه متودّدا ، وتبصبص متقرّبا فلم يلتفت اليه الخاقان ، وأعرض عنه ولم يقبل منه شيئا .
وسار بهرام في موكبه ثلاثة أيام . ولما كان اليوم الرابع نفذ إليه وأشار عليه بالانصراف . فعاد بهرام إلى بلخ ، وأقام بها أياما قارعا سن الندم ممتلئ القلب من الهيم والحزن
إرسال هرمزد وعاء المغزل وقميص امرأة إلى بهرام چوبينه
وصاحبه غير راض عنه لما صدر منه من الاستخفاف بالخاقان أوّلا والاستبداد بصفايا المغنم ثانيا .
وأما هُرمُزد فإنه كتب إليه كتابا يوبخه في ويعنفه ويقول : إنك خلعت ربقة الطاعة ، وعدلت عن طريق العبودية ، وأصبحت لا تعرف قدر نفسك ، وتظهر الاستغناء عن مالك أمرك .
فقد جاءتك الآن خلعة تليق بك وتصلح لك . وأمر بإحضار قميص من الشعر ، وسراويل أحمر ، ومعجر أصفر ، ووعاء فيه قطن ومغزال إلى غيرهما يصلح للنساء . ثم أمر بعض أصحابه بأن يحملها إلى بهرام ، ويقول له : أيها الشيطان الخبيث ! أبلغ بك الأمر إلى أن تقيد ملك الصين ، وتعمل عمل السلاطين ؟ سأنكسنك من التخت الذي استويت عليه ، ولا أعدك إلا ممن لا يلتفت إليه .
فسار الرسول بالكتاب والخلعة . فلما وصل إلى بهرام أدّى إلى الرسالة ، وسلم اليه الخلعة . فاختار الصمت ، وحالف الصبر وقال : ما كان ظني أن يكون هذ جزائي من الملك ، وأن يصغى إلى حسادى ويسمع كلامهم فىّ بعد أن فعلت ما فعلت . وأما الآن فما أشكوا بثي وحزنى إلا إلى اللّه عز وجل .
فلبس تلك الخلعة الملونة ، ووضع بين يديه ذلك المغزل والقطن . وأمر بإحضار الأمراء والقوّاد وسائر وجوه الأجناد . فلما حضروا بين يديه وأروا ما لبسه بهرام عمهم السكوت والإطراق . فأقبل عليهم وقال : إن هرمزد هو الملك ، ونحن العبيد المطيعون لأوامره ، المتصفون بعبوديته . وقد أمر لنا بهذه الخلعة فما ذا ترون ، وأي شيء تقولون ؟ فقالوا : ما باله لا يعرف قدرك ، ولا يقابل بالإحسان سعيك ؟ إذ كر قول أردشير في الري حين ضاق صدره من أردوان حيث قال : « إذا لم يحفظ الملك حرمتي فأنا بريء منه ومن تخته وتاجه » . فقال بهرام لذلك القائل : بلا تذكر مثل هذا الكلام فإن رونق المماليك إنما يكون بعناية الملوك . ونحن عبيد هرمزد الذي طاول الأفلاك . وأي شيء فعل بنا فأهلا ومرحبا بذلك . فغضب الأمراء وقالوا : نحن لا نرضى بهرمزد بعد ما صنع ، سلطانا ولا بك بهلوانا . ووثبوا وخرجوا من إيوان بهرام . فأخذ بهرام يعظهم ويزجرهم زجرا مشعرا بالإعزاء ، ويسرّ حسوا في الارتغاء .
شاهنامه ( الشاهنامه ) — صفحة 191
مساهمون: حكيم أبو القاسم الفردوسي
ص١٩١