راجلا يطلب الأمان . فانتبه فزعا مضطرب القلب فأخفى منامه ولم يظهره لأحد وهو مهموم محزون . فبينا هو كذلك إذ وصل خرّاد بن برزين هاربا من مخيم ساوه فقال لبهرام : دبر لنفسك قبل أن تقوم عليك القيامة . فإنه لم يُر قط مثل هذا الجمع . فلا تغتر برجوليتك وشجاعتك ، ولا توقع الإيرانيين في المهلكة ، وأبق على نفسك . فإن هذا خطب عظيم ما حزبك مثله . فقال له : خفض عليك فإنك من أهل مدينة شأن أهلها صيد السمك ، وبيعه صيفا وشتاء ، ولا تخرج من الشجعان إلا أمثالك .
فان صناعتك نصب الأشراك على وجه الماء ، ولست من رجال اللقاء . وسترى العجب العجاب ، والبحر ذا العباب غدا عند تبلج الإصباح .
ثم إنه لما أصبح أمر بدق الكوسات وركب وعبىّ جيوشه وقسمهم أربعة أقسام ، كل قسم ثلاثة آلاف مع إصبهبذ . وتقدّم الصفوف فصاح عليهم وحلف وقال : لئن أحجم منكم واحد لأضربن رقبته وأحرقن جسده . وأوعدهم وهدّهم وثم مناهم ووعدهم وحضهم على الكفاح والصماع إغراء ضوارى السباع بغزلان القاع . وفتصدّى له الكاتب الكبير ووعظه ونصحه وحذره عاقبة الأمر وقال : ما نحن بينهم إلا كشعرة بيضاء في متن بقرة سوداء . وسيدوسوننا بحوافر الخيل ويهجمون علينا هجوم السيل والليل . فصاح عليهم بهرام وقال : لا تنطق أيها الشقي ! إلا بما يتعلق بالدواة والقرطاس . فما أنت من رجال الحرب والباس . فانصرف الكاتب واجتمع بخرّاد وقال :
إن بهرام قد خانه الرأي والعقل ، وما يحمله على مقاتلة الأتراك إلا الغباوة والجهل . والرأي أن ندبر لأنفسنا وننجو بأرواحنا . فاجتمعت الكتاب اجتماع الثعالب ، وطلبوا ربوة مشرقة على المعترك بعيدة من عسكر العدوّ فصعدوها وأقاموا ينظرون وهم من فرط الفزع ويفكرون كيف يهربون . وأما بهرام فإنه لما فرغ من التعبية والتسوية نزل ورفع المغفر عن رأسه ، وعفر وجهه في التراب يتضرع إلى اللّه تعالى ويسأله أن يثبت قدمه في مستنقع الموت ، ويرزقه الظفر والنصر والنجاح والفوز .
ثم ركب وعينه مغرورقة بالدموع ، وقلبه مضطرب بين أحناء الضلوع . وتشمر للأمر كالقابض على الجمر ، بيده جزر كقطعة طود أو صاعقة ذات برق ورعد .
حرب بهرام چوبينه وساوه شاه
وأما ساوه فإنه أمر من كان معه من السحرة فسحروا أعين الإيرانيين ، وخيلوهم سحابا أسود يمطر عليهم بشآبيت النبال ، ويبرق ببوارق النصول والنصال فقال بهرام لأصحابه : لا يهولنكم ما ترونه ، وغمضوا عيونكم فهو سحر وإفك وباطل وكذب . فصاح أصحابه صيحة عظيمة وتشمروا
شاهنامه ( الشاهنامه ) — صفحة 184
مساهمون: حكيم أبو القاسم الفردوسي
ص١٨٤