اليه من كل وجه ، وانبثاق السكر عليه من كل صوب ، وتضييقهم الأرض عليه حتى كأنها في عينه كفة حابل أو غلوة نابل - أخذه المقيم المقعد فاستحضر الإيرانيين فشاورهم فيما حزبه من ذلك ، وفاوضهم في أمره ، وأطلعهم على ما خامر صميم قلبه . فوجموا متحرين ثم تكلم كل واحد منهم بما عن ّ له من الرأي ، وقالوا : إن إيران قد صارت قرارة لسيول الفتن المتلاطمة كقطع الليل ، ولم يسمع أحد قط بخروج مثل هذه العساكر من هذه الجهات في حالة واحدة إلى هذه المملكة . وأنت أيها الملك ! ذو العقل وصاحب الرأي ومالك زمان الأمر والنهى . ونحن البعيد المتقلدون لربقة طاعتك .
وأنت أعلم بمصالح الأمور . فأسفِر عن وجه التدبير في هذا الخطب الكبير . وقال الوزير : أيها الملك العالم ! اعلم أن عساكر الخزر لا يطيقون مقاومة عساكرنا ، ولا يلبثون ساعة أمامنا . وأما عساكر الروم فالرأي أن داريهم وندفع بالاحتيال شرهم . وأما العرب فيسهل استئصالهم وقلعهم . والأمر الأهم أمر ساوه شاه المقبل في عساكر الترك من جهة خراسان . فإن من استيلائه خراب هذه الديار .
وإذا عبرت عساكر الترك جيحون فلا يسعنا التوانى في الأمر . فقال له الملك فما نعمل الآن ؟ قال : اجمع العساكر فإن استظهار الملوك انما يكون بالجنود . فاستحضر كانت الجيش ومتولى ديوان العرض فجاء بجرائد الجيوش فأحصاهم فكانوا مائة ألف فارس وراجل . فقال الموبذ : جدير بنا ألا نقاتل بهذا القدر اليسير ذاك الجم الغفير إلا أن نستعين أيها الملك ! عليهم بالخير والسداد ، والإقلاع عن الظلم والفساد . فقد بلغك ما أصاب لُهراسب على بد أرجاسب وعساكر الترك في الزمان الأوّل ، وما جرى على أهل بلخ في ذلك العهد إلى أن خرج إسفنديار ففعل ما فعل . وأنا وإن كنت أكبر سنا من الملك فهو أثقب رأيا وأصوب عزما فليشر بما يرى . فقال الملك : نكاتب قيصر أوّلا ونصالحه ونردّ عليه بلاده التي أخذها منه الملك - يعنى أباه - فإنه عند ذلك يثنى عنانه وينصرف وراءه . فأرسل اليه وكاتبه على تلك الجملة ، وتردّدت الرسل حتى استقرّ الأمر وعلى ذلك ، وعاد قيصر إلى بلاده . ثم اختار عسكرا وجهزهم تحت راية إصبهبذ يسمى خرّاد إلى ملك الخزر . فلما وصل إلى بلاد الأرض هرب منه ملك الخزر . فركب أثره وقتل منهم خلقا كثيرا ، وأصبح مظفرا منصورا .
شاهنامه ( الشاهنامه ) — صفحة 177
مساهمون: حكيم أبو القاسم الفردوسي
ص١٧٧