فقتل بعد ثلاث ليال فلم يبق في تلك المملكة ذو عقل يستضاء بنوره ، ولا صاحب رأى يقوم بمصالح الملك وأموره .
رجوع هرمزد عن الجور إلى العدل
فلم يطلب عيش هُرمُزد ولا يوما واحد ، وكان لا يبيت إلا موج القلب ساهدا .
قال [ 1 ] : وكان هرمزد يقيم كل سنة شهرين عند قِصَر الليالي بإصطخر ، ويطوف باقي السنة .
في ممالكة يرتب الأمور ويسوس . وبلغ من عدله أن مناديا كان ينادى قدّام موكبه كل يوم : أيما رجل من الأجناد دخل أرضا مزروعة فأضرّ بها عوقب بكذا وكذا . وأيما فرس دخلها قطع أذنه وذنبه . ومن سرق شيئا صلب . وكان مدّة عشرة أشهر من كل سنة يطوف كذلك في البلاد ، ويرعى المصالح والمناجح للعباد . قال : وكان له ولد لا يفرق بينه وبين القمر حسنا وجمالا يسمى كسرى ويقلب ببرويز . وكان لا يفارق أباه ساعة ولا يصبر عنه لحظة . فاتفق أن فرسا من مراكبه الخاصة جفل من اصطبله عائرا فتبعه السائس ليمسكه فدخل إلى أرض محروثة . فعلم بذلك الشخصُ الموكل بالضيعة فأنهى ذلك إلى هرمزد . فأمره أن يحكم في فرس ابنه كما كان يحكم في فرس غيره أفتقطع أذنه وذنبه ، وأنه إن تلف شيء من الزرع بوطء الفرس فيه أخذ عوضه من برويز عن كل در هم مائة . فعظم على برويز قطع ذنب فرسه فأرسل إلى أبيه جماعة ليتشفعوا فلم يقبل شفاعتهم في فرسه ، وقطع ذنبه وأذنه ، وغرّم برويز بعوض ما أتلفه ، على الصفة المذكورة .
قال : وخرج ذات يوم إلى الصيد في خواصه ، وكان ممره على كروم وبساتين ، فرأى بعض أمرائه عناقيد من الحصرم متهدلة من بعض تلك الكروم فأمر غلاما له بأن يقطع منها عدّة ويحملها إلى المطبخ ففعل . وعلم صاحب البستان بذلك فعدا نحو ذلك الأمير وقال : إنك قد أتلفت مالي ، ولا بد أن أشوك إلى الملك . ففزع الأمير . وكان على وسطه منطقة مرصعة فحلها ودفعها إلى صاحب
هامش
[ 1 ] تصدّر الشاهنامه الواقعات الآتية بعنوان : « رجوع هرمزد عن الجوار إلى العدل » . وتبين أنه أشفق على نفسه حين قرأ الرقعة وتاب من سفك الدماء والأذى .
وأما طوافه في المملكة ففي الشاه أنه كان بمضي بإصطخر ثلاثة أشهره الصيف ، وبأصبهان ثلاثة أشهر الخريف ، وبطيسفون الشتاء ، وبسهل أروَند الربيع . وفي الأخبار الطوال : « وكان أكثر دهره غائبا عن المدائن إما بالسواد متشتيا وإما بالماه متصيفا » . وهذا هو المأثور عن الأكاسرة .
يقول الشاعر لأبى دلف :
وأنت امرؤ كسروىّ الفعال * م تصيف الجبال وتشتو العرقا