صاعد الجدّ منشرح الصدر . ولا زال العقل لك حارسا ، والعلم لك محالفا ومؤانسا . وإذا عبرت من هذه الدار فانبوا لي ناووسا رفيعا في السماء ، بعيدا عن الوحوش والطيور . واكتبوا عليه اسمى .
ثم غرقونى في الكافور . وأخلوا أحشائى من الدم . واحشوها بالمسك والعبير . ثم ضعونى فيه على السرير بالآلات الشاهنشاهية ، والمفارش الملوكية . وإذا فرغتم من ذلك فسدّوا علىّ الباب ، واعتبروا يا أولى الألباب ، ومن عزّ عليه فقدى من أقاربى وأولادي فلا يقربن الشراب شهرين . فإنه الرسم في عزاء الملوك . وجدير بذوي العقول أن يبكوا من هذا المكتوب . ثم إني أوصيكم ألا تخالفوا أمر هُرمُزد ، ولا تخلعوا ربقة طاعته ، ولا تقضوا نفَسا في غير خدمته .
قال : ولما كتب هذا العهد فض الحاضرون عقد الدموع وأوقدوا نار الحزن بين الضلوع وهيهات أنى رد الجزع أمرا مقدورا ، أو تمحو الدموع ، ما كان في الكتاب مسطورا .
وعاش أنوشِروان بعد هذا العهد سنة ثم مضى لسبيله حميد السير ، مرضىّ الأثر ، ومشكورا الورد والصدر [ 1 ] .
هامش
[ 1 ] ينتهى عهد كسرى أنوشِروان في بعض نسخ الشاهنامه بفصل خلاصته أن أنوشروان رأى في منامه شمسا أشرقت بالليل ومعها سلم ذو أربعين درجة تنال ذروته عليا الكواكب . فارتفعت على هذا السلم من الحجاز حتى عم ضوؤها الآفاق إلا إيوان كسرى بقي مظلما .
فلما أصبح كسرى قصّ رؤياه على بوزرجِمِهر فعبرها أنه بعد أربعين . سنة يظهر رجل من العرب يسلك بالناس صراطا مستقيما ، وينسخ دين زردشت واليهودية والنصرانية . ثم بعد موته يأتي جيش من الحجاز فيحارب أحد أحفادك ويقضى عليه فتبطل أعياد الفرس ، وتخمد نيرانهم . وقد أخبر جاماسب الحكيم كُشتاسب بهذا من قبل » . فاغتم كسرى غما شديدا . ولما جن ّ الليل سمع رجفة عظيمة فأخبر أن الإيوان انصدع . فقال له بوزرجمهر : إن هذا آية ولادة هذا القمر . ثم جاء فارس مغذّ فأخبر كسرى أن بيت النار - آذركُشَسب قد خمد . فزاد غم كسرى . وعزاّه وبوزرجمهر بأن الملك لن يدرك هذه الأحداث . ولا يبالي بما يكون بعده من فرح أو غم .
وفي الطبري : عهد أنوشروان وبرويز ، وروايات كثيرة من أحلام وكهانات تروى عن الفرس في هذا الأمر .