ثم قال : وهذه جوابات ما سألت من المسائل . واللّه يديم دولة الشهريار العادل . ولا زالت الألسنة بثنائه منطلقة . والصدور بولائه منشرحة . والسلام . فلما سمع أنوشروان كلامه قضى العجب من ذكائه وعلمه ، وأكثر الثناء عليه . وعظم سرور الحاضرين .
كتابة أنوشيروان ولاية العهد بعده لابنه هرمزد
فأمر الملك بأن يكتب له عهد بالسلطنة . فكتب ثم ختم وسلم إلى موبذ الموبذان .
ونسخة العهد : « من كسرى أنوشروان إلى ونده هرمزد . اعلم يا بنى أن الدنيا شيمتها الجفاء ، وحاصلها التعب والعناء . فمتى ما كنت فيها أكثر سرور وانشراحا ، وبها أوفر حبورا وارتياحا فاعلم أن ذلك من حالها مؤذن بالزوال ، أو أنه قد حال لك حين الارتحال . ثم إنا لما أحسسنا بالانتقال من هذه الدار التي دأبها إحالة الأحوال طلبنا لتاج السلطنة منك من هو تاج على مفرق الإقبال اقتداء بوالدنا قباد . فإنه عهد الينا وسمّانا للسلطنة لما أناف على الثمانين . ونحن قد عهدنا إليك حين أنفنا على السبعين . وجعلناك شهريار الأرض . ولم نطلب بذلك غير الذكر الجميل وحسن الأحدوثة بعد الموت . وأرجو من اللّه تعالى أن تكون منشرح الصدر ومسرور القلب مسعود الجد . ثم إنك مهما آمنت الناس بسلوك سبل العدل أمكنك أن تمام آمنا في ظلال الدعة والخفض . ثم لا تكن إلا حليما فإن الحدّة أقبح أخلاق الملوك ، ولا تحم حول الكذب فإنه يغير وجه السعادة . وانف العجلة من قلبك ودماغك . فإن العقل يغيب عندها . ولكن مائلا إلى الخصر حريصا عليه . وأرع سمعك مواعظ العلماء في حالتي السراء والضراء . ولا تقارب الشر فتقع فيه . ولا تلبس ولا تأكل غير الحلال . واستفتح مغالق أمورك باللّه ذي الجلال . واعلم أنك إذا إذا عدلت انعمرت الدنيا ، وفي عمارتها عمارة خزائنك ، وسعادة جدّك . ومن أحسن إليك فبادر إلى مجازاته ، ولا تؤخرها حتى ولا تخلق جدّة حسناته . وأذن منك أهل الأدب والفن . وشاور في أمورك أهل العلم والعقل .
واجعل لأعيان مدينتك التي هي دار ملكك حظا وافرا من العدل . وباعد من خيرك كل لئيم .
ولا تكل شيئا من أمورك إلى جاهل ظلوم . وإذا صار عدوّك لك صديقا فإياك والركون اليه والاعتماد عليه . وليكن ملك إلى الفقراء فإن اهتمامك بهم من أهم الأشياء . واعلم أن الملك إذا أنصف من نفسه استراح العالم في ظله ، وتمتع هو بملكه . وإياك وأن تغلق بابك على المحتاجين . وتعطّف على المتقين والمتوّرعين . ثم اعلم أنك إن قبلت نصيحتى وعلمت بها دمت أعالي التاج رفيع القدر .
ثم دعاله وقال : فلا نسيت سيرتى وأفعالى يد الدهر وإن حالت دون لقائي ظلمة القبر . ولا زلت
شاهنامه ( الشاهنامه ) — صفحة 168
مساهمون: حكيم أبو القاسم الفردوسي
ص١٦٨