أحمال الدراهم والدنانير . فما لنا حاجة إلى أموال هذا الرجل . أما تعلم أن ولد المحترف إذا صار كتابا أديبا ، وعالما أريبا ، صار من الغد لولدنا خادما ومنه قريبا . فلا يبقى عند أهل الأدب وأرباب الحسب والنسب من أهل البيوتات وأصحاب المروءات سوى الهم ّ والحزن والحسرة والأسف . وهل يأتي الخير من ولد المحترف ؟ وإنه مهما اعتلت درجته استهان بذوي الألباب ، واستعظم لهم في الثواب رد الجواب ، فيستجلب لنا بعد موتنا اللعن والذم . وإني لست أطلب الأموال إلا من حاصل الخزانة المذّخرة من العدل . فلا تأخذ من هذا الإسكاف شيئا ، ولا تتعب نفسك ، ورد عليه ماله .
فامتثل بزرجمهر ما أمره به الملك ورد على الإسكاف دراهمه . فأخذ شاحب اللون ساهمه يعض من الأسف أباهمه .
قلت : وقد أورد أبو النصر العتبى في هذا المعنى فصلا فقال : « ولولا أن قصد الشريعة أن تسمح بخيرها على العموم ، وتكافئ بين الكافة في فضلها المعلوم إباحة للكتابة التي هي قيد العلوم وصيد الحكم المبثوثة في الرقوم لقلت : للّه در ساسة العجم ورفعة أقدار الدواة والقلم ! حين عنسوها دون ذوى الاستحقاق ، وخذروها إلا على الكرام العتاق .
للّه در أنوشروان من رجل * ما كان أعرفه بالدون والسفل
نهاهم أن يمسوا بعده فلما * وأن يذل بنو الأحرار بالعمل
فما كل نحيزه لها كفاءة في مناكحة الآداب ، وملاءة في متاجرة الكتاب . ولا كل مَسك يصلح للِمسك وعاء ، ولا كل ذرور يصلح للعين جلاء . فأضيع شيء عقد في نحر خنزير ، وحد بكف ضريره ، ونفس على بنان فاجر شرير .
مجيء رسل القيصر لتقديم الاعتذار والهدايا لأنوشيروان
قال : ولما أمسى أنوشروان وجه الطلائع فتوجهت نحو الخندق . فلما أصبحوا عادوا وقالوا :
قد جاء رسول قيصر مستكينا متضرعا ، وعن الذنوب متنصلا . فتعجب أنوشروان وأمر بادخاله عليه . فدخل ولما وقعت عينه وعلى وجهه وتاجه قال في نفسه : إن هذا هو المستحق للملك القمن بالرجولية والتقدّم . وكان معه أربعون فيلسوفا مع كل واحد منهم ثلاثون ألف دينار برسم النثار .
فلما دنوا من الملك خدموا باكين ، وخشعوا وضرعوا . فأقعدهم الملك وأجلس كل واحد منهم في موضعه الذي يليق به . فتصدّى منهم واحد للكلام وقال : أيها الملك ! إن قيصر شاب جديد ملابس العمر ، لم يمارس الأمور شبه الغمر ، ولا يميز بين السر والجهر . ونحن كلنا عبيدك المتقلدون لربقة طاعتك ، والملتزمون لما تأمرنا به من الخراج ، المستظلون . منك بظل الأمان . ولا فرق بين
شاهنامه ( الشاهنامه ) — صفحة 164
مساهمون: حكيم أبو القاسم الفردوسي
ص١٦٤