المدائن في عسكر كالبحر الأخضر ، وسار قاصدا قصد قيصر .
تعبئة أنوشيروان الجيش لحرب قيصر والسير إلى بلاد الروم والاستقراض من التجار
فلما انتهى الخبر اليه بخروج أنوشروان لقتاله خرج من عمورية وجاء إلى حلب ، وامتلأت الأقطار من الصخب والجلب . وتحصن في ثلاثمائة ألف فارس بحصار حلب . ووصلت عساكره أن أنوشروان من هذا الجانب وقامت الحرب بينهم على ساق . فأخذوا بعض القلاع المتاخمة الحلب واستأسر علم زهاء ثلاثين ألف فارس من الروم ، و . كثر القتل والقتال حتى صارت نواحي حلب كبر لجىّ يتلاطم بأمواج الدماء . ثم إنهم عملوا اقدم الحصار خندقا عظيما طرحوا فيه الماء فلم يمكن عساكر الفرس أن يعبروه . وطالت عليهم المدة ، واستنفدت الخزائن ، وفنيت الأقوات ، واحتاجت العساكر إلى نفقاتهم . فاستدعى الملك مقدّم أصحاب ديوان الأرزاق ، وفاوضه في معنى مشاهرات الأجناد ووظائفهم وأرزاقهم .
فذكر أن حاصل الخزانة يعجز عن ذلك . فغضب واستدعى بزرجمهر وأمره أن يدعو « الساربان » الخاص ، وينفذ الجمال إلى مازندران فيوقر منها مائة بُختى ذهبا ، ويحملها اليه . فقال : بزرجمهر :
أيها الملك ! إن الشقة بيننا وبين مازندران بعيدة . فإن رأيت استقرضنا عن التجار وأصحاب الأموال الذين هم فلا البلاد التي حوالينا وبالقرب منا . وإذا وصلت الخزانة أوفيناهم منها : فوافقه الملك فيما قال : فندب بزرجمهر بعض الكفاة ونفذه إلى البلاد القريبة من المعسكر ليستقرض من التجار والدهاقنة ما احتاجوا اليه ولتتمة نفقات العسكر . فلما انتهى الرسول إلى حيث أمر اجتمع اليه أرباب الأموال وفي حملتهم رجل إسكاف فقال له : كم تريد من الدراهم ؟ فقال : أربعة آلاف ألف در هم . فقال : أنا أعطيكم هذا القدر . والمنة علىّ في ذلك . فأحضروا الوزانين والكتاب ، وسلم إليهم الدراهم . ثم قال له أرجو أن تقول لبزرجمهر : إنه ليس له في الدنيا غير ولد . وسؤالي أن يستأذن الملك حتى أسلم هذا الصبى إلى المؤدّبين والمعلمين حيث يتلعم الخط والأدب . فانصرف الرسول بأحمال الدراهم إلى خدمة بزرجمهر ، وعرض عليه ما التمسه الإسكاف . فقام ودخل على الملك وقال : إنه قد قال بما احتجنا اليه إسكاف يسكن بعض بلاد الملك . فحمد اللّه وأثنى عليه وشكره على ثروة رعيته وغناهم . ثم قال لبزرجمهر : انظر ما أمنية هذا الرجل وما حاجته فاقضها .
وإذا أوفيته القرض فزده مائة ألف در هم حتى تطيب قلوب الرعية ، ويتجاسروا على اقتناء الأموال وكنز الذخائر . فقال له بزرجمهر : إن لهذا الرجل حاجة قد عرضها . فإن أذن الملك أوصلتها إلى مسامعه . فأذن له فقال : إنه يقول : لي ولد عاقل . وأنا أرجو من الملك أن يأذن لي في تعليمه الخط والأدب . فقال : أيها الدستور اليقظان ! مالك قد خاط عينك الشيطان ؟ انصرف ورد عليه
شاهنامه ( الشاهنامه ) — صفحة 163
مساهمون: حكيم أبو القاسم الفردوسي
ص١٦٣