على سير الملوك السالفة والتقيل بهم في خلالهم الحميدة ، والتلحى بصفاتهم المرضية . والوزراء هم الذين يتجرعون مرارة الغصص ، ويتحملون أثقال التعب في إحراز الخزائن . ونمظ شمل الذخائر ، والإصغاء إلى ظلامات الرعية ، والحكومة بينهم على مقتضى العدل والنصفة . وعلى هذا درج ملوك العجم حتى ولى أنوشروان . فإنه لما ملك نقص تلك القاعدة ، ورفض تلك العادة ، وباشر الأمور بنفسه ، وساس الجمهور برأيه وتدبيره . فكان هو الملك والبهلوان وصاحب السيف وصاحب القلم معا .
وكانت لم أصحاب أخبار يرفعون اليه كل ما يجرى في ممالكه من الحسن والقبيح ، والمعوج والمستقيم فيوقع بتقرير ما يرى تقريره ، وإزالة ما جرى إزالته .
فمن جملة توقيعاته ما ذكر أن بعض الموابذة رفع اليه وقال : إنك تصفح للمجانى عن ذنبه ثم إذا عاود ذنبه تأمر بصلبه وإن كان مستقيلا متنصلا عن زلته . فوقّعه وقال : « نحن كالأطباء والمجرم المصرّ على الذنب كالمريض المشرف على الموت ، تمتنع عن شرب الدواء نسقيه شربة واحدة فإذا رأيناها لا تنجع فيه غسلنا أيدينا منه وقطعنا رجاءنا عنه . والسلام » . ورفع اليه آخر وقال : إن صاحب جيش جرجان برز إلى الصحراء فتغافل في معسكره فانتهب بالليل ثقله . وهو يريد الانصراف لإصلاح أمره وترتيب أسبابه ، وفوقع في الجواب : « إنا في غناء عن حافظ جيش لا يقدر على حفظ رحله » .
فكان ذلك سبب عزله . ورفع اليه آخر وقال : إن هاهنا رجلا ذا ثروة تزيد كنوزه على كنوز والملك . فوقع في الجواب : « نسوغ له ذلك . فحاله حلية لأيامنا وزينة ثروة تزيد كنوزه على كنوز الملك . فوقع في الجواب : « نسوغ له ذلك . فحاله حلية لأيامنا وزينة لسسلطاننا » . ورقع اليه آخر قال : إن صاحب المين قال على رؤوس الملأ إن أنوشروان يكثر الأموات ، ويضيق الدنيا بأذاه على الأحياء . فأجاب وقال : « لا يذكر الموت إلا من كان موصوفا بالعقل والذكاء . ومن أعرض صفحا عن الأموات لم يستقم حاله في أيام الحياة » . ورفع اليه موبذ آخر أن أحد بزاة الملك اصطاد عقابا . فوقع وقال : « يقصف ظهر هذا الباز لإقدامه على من هو أكبر منه قدرا . ثم يصلب ليعتبر به الصغير فلا يتجاسر على الكبير » . ورفع اليه آخر وقال : إن برزين الإصبهبذ لما برز في جمهور وجنوده وأعلامه وبنوده قال بعض أهل التنجيم : إنه لن يرى بعد هذا أبدا على باب الملك .
فوقع وقال : « إن طالع الشمس والقمر لا يعتريه النحس ببرزين وغيره » . ورفع اليه آخر وقال :
قد تقدّم الملك بطلب رجل كريم الأصل وافر الفضل ليدور في الممالك ويطالعه أحوال الرعية .
وكَشسب الكبير رجل طاعن في السن يصلح لهذا الأمر . فوقع في الجواب وقال : « هو رجل حريص يرجح جانب الغنىّ على الفقير . ولا يصلح لهذا الأمر إلا من جانب الدهر أشطره ، وذاق حلوه ومره ، وكان صعب العريكة مستقيم الطريقة يعتنى بشأن الفقير أكثر مما يعتنى بشأن الغنى » .
شاهنامه ( الشاهنامه ) — صفحة 160
مساهمون: حكيم أبو القاسم الفردوسي
ص١٦٠